غضب الجماهير حركتها البطالة والفقر والاستبداد المالي والسياسي في قرية «كيزل بايراك» شمال قرغيزيا (قرغيزستان) ولد عسكر أكاييف في العام 1944 في أسرة تشربت أجواء المزارع الجماعية الإجبارية خلال الحقبة السوفييتية، أكمل تعليمه في جامعة ليننغراد. كان يحلم، وهو في العشرينات من عمره، بالوصول إلى أعلى الرتب والدرجات حتى خرج منها حاملا شهادة الدكتوراه في الفيزياء خلال 1976 . أضحت الطريق ، بحصوله على درجة الدكتوراه في الفيزياء، ممهدة أمامه للترقي الأكاديمي في بلد زراعي قبلي حتى بلغ أرقى منصب علمي في قرغيزيا، وهو رئاسة أكاديمية العلوم التي انتقل منها خلال 1986 إلى مقر الحزب الحاكم القرغيزي، الذي استعان به بهدف تلميع صورته وتشكيل خط دفاع أمام الشعب، وهو الحزب الذي يضم الفئات النخبوية التي عمدت إلى اختياره في العام 1990 رئيسا للبلاد (بأغلبية أصوات البرلمان القرغيزي) بعد أن أخذت الشيوعية تلفظ أنفاسها الأخيرة، وبدت الفرصة متاحة لتحقيق شكل من أشكال الاستقلال عن المركز في موسكو وكسب مقعده الرئاسي في أول انتخابات شعبية بعد تفكك الاتحاد السوفييتي نهاية العام 1991.لم يمض سوى عامين على حكمه، حتى استطاع أكاييف أن يرقى ببلاده إلى مفاهيم إصلاحية جديدة كانت كفيلة بأن تفوق كل الرهانات التي وضعها البرلمان القرغيزي فيه لحظة اختياره رئيسا للدولة، وأضحى كفيلا بأن يلقب برجل العصر وأمل الديمقراطية بعد أن تحولت بلاده إلى أكبر ديمقراطية في وسط آسيا، فنشر أكاييف مشروعات الإصلاح مثل الخوصصة التي همت العديد مؤسسات الدولة، وخرجت في فترة حكمه، في إطار الليبرالية السياسية، عشرات الأحزاب بمختلف أطيافها وتمكنت سياسته الزراعية، التي منحت الفلاحين حقوقا متزايدة، من العثور على مفتاح محبة الشعب عبر التاريخ، وأضحى أكاييف رجل قرغيزيا بلا منازع بعد أن امتدت سياساته الإصلاحية إلى مناطق الجنوب رغم أنه من أبناء الشمال.و تأكد أكاييف، بفوزه في انتخابات 1995 ، من قدرته العالية على كسب ثقة الجميع، فأدخل نفسه في إنجازات أخرى مماثلة للتي قام بها في فترة حكمه الأولى، حتى جاءت الانتخابات الرئاسية الجديدة خلال سنة 2000 التي فاز بها بالأغلبية رغم اتهامه بالتزوير من طرف المعارضة، بعد أن تفشت المحسوبية والفساد في حكمه وحكومته في وقت كان فيه جل أفراد عائلته تقريبا (ابنه وابنتاه وأختاه) داخل البرلمان القرغيزي، وبدأت نقطة التحول والتوجه نحو السقوط قد حانت لأكاييف بعد أن أشعل التزوير الانتخابي فتيل حماس المعارضة التي أضحى صوتها يرتفع عاليا مطالبة إياه بالاستقالة من منصبه بعد اعتقال زعيم المعارضة «فيكيكس كولوف» والزج به في السجن بتهمة الاختلاس.بدأت المعارضة في حشد صفوفها وقوتها الداخلية، مركزة بذلك على جنوب البلاد المهمش والأقل تنمية، ولم تجد بالتالي صعوبة في إقناع الشارع بالفساد والانحلال الذي أضحى واضحا في حكومته حتى كسبت المعارضة تعاطفا. أمام تزايد زخم المعارضة وتزايد المظاهرات في شتى مدن قرغيزيا لم يكن يدور في خلد حكومة أكاييف، ولا خلد المعارضة نفسها أن تتخذ الأحداث خطوات متسارعة خلال أقل من شهرين وتتحول إلى ثورة بنفسجية يوم 24 مارس 2005، إذ ستجد المعارضة نفسها وقد اجتاحت القصر الرئاسي بعد أن عمد عسكر أكاييف إلى مغادرته متجها إلى روسيا للنجاة بنفسه من غضب الجماهير التي حركتها البطالة والفقر والاستبداد المالي والسياسي في هذه الجمهورية الصغيرة بوسط آسيا.