fbpx
الصباح السياسي

طقوس دار المخزن تخاطب مخزون الذاكرة المشتركة

المخزن اسفنج قابل لامتصاص كل المطالب والتحولات مع الحفاظ على بنيته العتيقة

طرح موضوع استمرار الطقوس المخزنية جدلا سياسيا في العشرية الأخيرة، وبالضبط منذ تولي الملك محمد السادس شؤون الحكم خلفا لوالده الحسن الثاني الذي كان من أشد المدافعين عنها، إذ لم يكن يقبل المساس بها أو تجاوزها حفاظا على هيبة السلطان الذي تدور في فلكه الدولة.
وإذا كان هناك من اعتبر آنذاك، في صف اليسار الجذري، ونخص بالذكر القيادي والباحث محمد الساسي، أن استمرار هذه الطقوس في عهد محمد السادس يعني استمرار المؤسسة الملكية بمفهومها التقليداني المطلق، ودعا جهارا الملك الجديد إلى التخلى عن عدد من الطقوس المخزنية العتيقة التي اتسم بها حكم والده، من تقبيل اليد إلى الزرابي الحمراء المؤثثة للمواكب الملكية وغيرها من المظاهر الاحتفالية التقليدانية، فإن جبهة محافظة عارضت هذا المنحى “التحديثي” المنادي بالقطع مع الطقوس المخزنية، برزت بقوة من داخل النظام، وجزء من محيطه الضيق، كانت ترى في قرارات من هذا النوع  مجازفة ومساسا بهيبة الملك والإرث التاريخي لشرعية السلطان في نظرالشعب، وهو ما جعل الطقوس تستمر وإن بشكل مخفف يتميز عما كان سائدا من قبل، من قبيل إقامة الملك في إقامته الخاصة صحبة أفراد أسرته الصغيرة، واختيار شريكة حياته من بنات الشعب وظهورها إلى جانبه في عدد من المناسبات، فضلا عن اضطلاعها بأنشطة خيرية واجتماعية متعددة، وهو ما شكل قطيعة مع مفهوم “الحريم” الذي كان سائدا من قبل، ومثل نزعة حداثية واضحة للملك الجديد، كما تفاعلت معها مختلف ردود الفعل الدولية والوطنية، خاصة مع صدور مدونة الأسرة الجديدة التي اعتبرت حينها بمثابة ثورة اجتماعية وتجديدا لشرعية الملك الجديد القائمة على المشروع الديمقراطي الحداثي كما تردد حينها كثيرا مع بداية العهد الجديد، وصار جزءا لا يتجزأ من تيماته السياسية المشرعنة للحكم، وكشفت أن المخزن هو الأكثر قدرة على التلون وانتقال من دور إلى آخر وارتداء لبوس الحداثة رغم استمرار “الشاشية المخزنية”، وهو ما كان باحثون في علم الاجتماع السياسي، من قبيل جون واتربوري وريمي لوفو وسانطوكشي وكلود بالازولي وغيرهم، بارعين في رصده من خلال مفهوم إعادة إنتاج المخزن لنفسه وقدرته، مثل الإسفنج، على امتصاص مطالب الانفتاح والتغير والتأقلم مع الأوضاع والمستجدات الطارئة ضمن إطار البنية “التقليدانية” ذاتها، والتي ترسم حدود أي انفتاح معين للملكية على محيطها، فالتابث في الطقوس المخزنية أنها رموز ذات دلالات وحمولات سياسية وثقافية قوية لا تقف عند شكلها وآلياتها كما تراها العين المجردة، بل تلامس مخزون الذاكرة المشتركة للمغاربة القائم على الطاعة والولاء للسلطان، وهي بذلك تعطي لمفهوم الرعايا مدلوله الحقيقي على أرض الواقع خارج كل التفسيرات الأخرى.

رشيد باحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى