مستشارون يستغلون مشاريع المبادرة لأغراض انتخابوية لا يكمن نجاح المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في بلوغ صفة الكمال، بل في محاولة خفض عدد المطبات التي وقعت فيها وحالت دون تحقيق أغلب أهدافها، بغض النظر عن الأرقام وما تحمله من حقائق مغلوطة، وتحقيق نجاحات أكبر تعبد الطريق للمبادرة نحو تحقيق أسمى أهدافها وهي تأهيل العنصر البشري. كل ذلك يمكن، حسب عبد الوافي الحراق، رئيس جمعية "مغرب اليوم"، ورئيس مجلس جمعيات الدار البيضاء أنفا المكونة من حوالي 64 جمعية، أن يتأتى مع الشطر الثاني من تنفيذ مشاريع المبادرة، "لأن الدستور الجديد يوفر أرضية متينة لإنجاح أغلب برامج ومشاريع المبادرة، خاصة مع تنصيصه على ربط المسؤولية بالمحاسبة"، يقول الحراق ويضيف "كما أن الدستور يعطي صلاحيات أوسع للجمعيات، ويعطي الشباب الأهمية الكبرى في كل ذلك".بالنسبة إلى الفاعل الجمعوي نفسه لا يمكن نزع صفة النجاح عن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بسبب بضعة إخفاقات وعثرات يمكن تجاوزها، وهنا يقول عبد الوافي الحراق "المبادرة ناجحة فهي مشروع كبير فرض وجوده ولامس مشاكل المواطنين في العالم الحضري والقروي، بل المبادرة الآن اتخذت صفة المنقذ الاجتماعي الحالي، خاصة بعد أن طفت المشاكل الاجتماعية على السطح في ظل الربيع العربي، لذلك يجب أن تستمر لأنها تخلق متنفسا للمواطن"، وزاد الحراق أن من بين نقط القوة في مشروع المبادرة تمكنها من الدخول إلى البيوت، "خلقت حركية إضافية لدى ربات البيوت اللواتي أصبحن يستفدن من مشاريع خياطة وغيرها من المشاريع التي قتلت الرتابة داخل البيوت وأعطت هؤلاء النساء مورد رزق يساعدن به أزواجهن وأبناءهن أو ينفقن هن أنفسهن على أسرهن". وبالنسبة إلى الإخفاقات التي سلط عليها الفاعل الجمعوي نفسه الضوء فيمكن جردها على مستويين، "أولها جمعيات المجتمع المدني، وثانيها القيمون على المبادرة الوطنية للتنمية البشرية"، يسجل الحراق، ويضيف موضحا "فمن جهة المجتمع المدني هناك مشكل كبير لابد من وضع حد له إذا أردنا لهذه المبادرة أن تحقق نجاحا أكبر، إذ أن هناك جمعيات حاولت تسييس المشروع، وغالبا ما تكون هذه الأخيرة تابعة إلى مستشارين استفادوا عدة مرات من عدة مشاريع، ولكن عوض أن تكون لاستفادتهم رؤية تتسق مع هدف تأهيل المواطن وفق تصور المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، يحولون الأهداف إلى أغراض سياسوية وانتخابوية". وعن طبيعة المشاريع التي يمكن أن تحقق نجاحا للمبادرة على مستوى الأرقام فقط، "فمثلا مشاريع الختان والقوافل الطبية التي تضخم أرقام المبادرة لا يجب اعتمادها أبدا ضمن المشاريع التي تهدف إلى تأهيل العنصر البشري، وهي نفسها المشاريع التي تستغلها بعض الجمعيات لأغراض انتخابوية، كما يجب إدخالها في خانة الإعانات الخيرية والطبية التي يمكن أن تقوم بها الجماعات واللجن الإقليمية أو المحلية أما الجمعيات فتتكفل بالمشاريع التي تؤهل المواطنين للحصول على دخل". وقال الفاعل الجمعوي ذاته إنه من خلال تجربته في الميدان واستفادة جمعيته من مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، توصل إلى أن ما يحتاج إليه المواطن المغربي من هذه التجربة ليس التنشيط الثقافي أو محاربة الهدر المدرسي، بل البحث عن دخل قار، والاستفادة من تكوين في هذا الإطار، "المواطن الآن يعاني الفقر، ويبحث عن مشروع يمكنه من خلاله أن يحصل على فرصة لضمان قوت يومه، وللأسف في بعض الأحياء المستهدفة تجد المواطن يقف مشدوها أمام جمعيات تأتيه بمشاريع تنشيط للأطفال، فيما هو لا يجد ما يطعمه به أطفاله، وكان الأجدر بهذه الجمعايت أن تفيده بمشروع يساعده على الولوج إلى سوق الشغل، كما أن المشاريع يجب أن تركز على فئة الشباب وتكوين العاطلين منهم".ومن بين نقط الضعف أيضا المرتبطة بالمجتمع المدني، يستحضر الحراق احتكار أشخاص لجمعيات ومحاولة خلق مشاريع وهمية للاستفادة الشخصية، "لاحظنا أن هناك أشخاصا يكونون جمعيات يكون الرئيس المتحكم وزوجته أمين المال أو شقيقه أو أحد أقربائه ولا يكون هناك منخرطون، فتجد هؤلاء يجوبون مختلف مصالح العمالات ويطالبون بالاستفادة من مشاريع، بل منهم من يستفيد فعلا، في الوقت الذي يجب أن يكون هناك دليل مساطر يفرض حضور أعضاء المكتب أثناء مناقشة المشروع، ويجب أن يصبح ذلك ضروريا".وفي ما يخص جانب القيمين على المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ودورهم في بعض الإخفاقات التي سجلتها هذه التجربة، قال عبد الوافي الحراق، "أكبر مشكل يمكن أن تواجهه المبادرة هو نظرة السلطات إلى الجمعيات، إذ مازال ينظر إلينا من باب منفذين وليس مفكرين أيضا ومشاركين، وأحيانا ينظر إلينا على أننا باحثون عن منحة فحسب، وبعضهم يعتقد أنه وحدهم درك لأهداف المبادرة وأن المجتمع المدني عليه فقط أن ينفذ، وهم من يقرر في غياب مجتمع مدني حقيقي. خلاصة القول مازالوا يضعون الجمعيات على هامش القرار، لا تستحضر أثناء اتخاذه".ومن السلبيات كذلك التي يستحضرها عبد الوافي الحراق من خلال تجربته منح موظف واحد القرار في تقرير مصير بعض المشاريع، "كيف يعقل أن يحكم شخص واحد على مصير ملف طلب استفادة يتضمن مشروعا معينا، إذ لا يكلف نفسه إلا نظرة سريعة إلى الطلب ويقرر فورا الرفض، دون أن يحيله على اللجن المكلفة بهذه المهمة، بل إنه حين تسائله عن ذلك يرد أنه مسؤول عن الغربلة؟ هذه مهمة كبيرة يجب أن تناط بعدة أشخاص وبلجن وليس بشخص واحد يمكنه أن يقع في انحرافات". وليست هذه المشكلة الوحيدة التي يضع عليها الحراق يده، بل أشار كذلك إلى أن لابد من الأخذ بعين الاعتبار عند تكوين اللجن المسؤولة عن المشاريع أهمية التخصص، "يجب أن يكلف أناس متخصصون في التنمية البشرية والاجتماعية بهذه الملفات، وليس أيا كان، كما يجب الحفاظ على استمرارية التكاوين، حسب حاجيات الجمعيات وليس ما تراه السلطات مناسبا". ضحى زين الدين