مصابة: أطباء وممرضون ينبذونني بمجرد أن يعلموا أني حاملة للفيروس قدرت وزارة الصحة وبرنامج الأمم المتحدة المشترك لمحاربة السيدا بناء على التقنيات المعتمدة في الموضوع، عدد المتعايشين مع فيروس نقص المناعة البشري في نهاية سنة 2011، بحوالي 29 ألف شخص بينهم 10 آلاف حالة تستدعي العلاج الثلاثي، وبلغ العدد التراكمي لحالات الإصابة المبلغ عنها منذ ظهور أول حالة سنة 1986 إلى متم دجنبر 2011، 6453 حالة منها 4169 حالة سيدا و2284 حالة حمل للفيروس، وتستأثر جهات سوس ماسة درعة ومراكش تانسيفت الحوز والدار البيضاء الكبرى بنسبة 58 في المائة من الحالات المبلغ عنها، علما أن 78 في المائة من حالات الإصابة مسجلة في الوسط الحضري و71 في المائة من الحالات مسجلة في صفوف البالغين والشباب ذوي الأعمار ما بين 25 و44 سنة، و2 في المائة في وسط الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة، فيما تحتل النساء حوالي 50 في المائة من مجموع الإصابات.غير أن المشكل لا يكمن في عدد الإصابات المسجلة، ولا ارتفاعه أو انخفاضه، المشكل الذي يعيشه المرضى المصابون، أنهم يتجرعون يوميا مرارة الألم، ونبذ المجتمع، فوراء كل مصاب بالسيدا حكاية، تختلف من حيث تفاصيلها لكنها تدور حول محور يوحد التمييز والتهميش والعار والمعاناة اليومية داخل مجتمع يعتبر الإصابة بالسيدا عقابا إلهيا، يعيشه نساء ورجال، أطفال وشيوخ، يعانون مرضا حار الأطباء في إيجاد علاج له. مرض يربطه مخيال المجتمع بعلاقات جنسية يحرمها الشرع وينبذها العرف. مجتمع، يتناسى، بفئاته الواعية والمتعلمة، أن المرض قد ينتقل عبر طرق أخرى مثل الحقن غير المعقمة التي يستعملها الأشخاص الذين يتعاطون المخدرات أو عبر آلات أو شفرات الحلاقة وغيرها، ويصر أن يربط الداء بالفساد، فيضع المريض في خانة "الملعونين".أطباء يعمقون جروح المرضى"أنا مصابة بمرض السيدا، منذ سنة 2000، مرت 12 سنة وهانا قدامكم ما زالا واقفة، يعني أنا إنسانة عادية، كون ما قولتليكومش راني مريضة حتى واحد ما يشك فيا"، تقول سعاد، التي لم تعترض أن تدلي بشهادتها حول معاناتها مع المرض بوجه مكشوف، ولم ترفض حتى محاولات الحاضرين في الدورة الخامسة للمنتدى الدولي الذي تنظمه سنويا المنظمة الإفريقية لمكافحة السيدا، والمنعقد الأسبوع الماضي،بالرباط، التقاط صور لها. تأخذ نفسا عميقا أقرب إلى التنهيدة وتنطلق في سرد تفاصيل حياتها، قبل 12سنة، التاريخ الذي غير مجرى حياتها "شنو غادي نقول، فعام 2000 كنت متزوجة، زوجي كان مصابا بالداء، إلا أنه لم يخبرني بحقيقة مرضه. اكتشفت المرض صدفة، إذ اضطر والدي إلى دخول المستشفى، واحتاج كميات من الدم، فتوجهت إلى مركز تحاقن الدم بمدينة الرباط، قصد القيام بالتحاليل اللازمة التي تفيد إن كان دمي يتوافق مع فصيلة دم والدي، لكن لم أتوصل بالنتيجة إلا بعد مرور شهر من أخذ عينة دمي، فعندما توجت إلى المركز، وجهوني إلى جمعية تعمل في هذا المجال، أحالتني بدورها على مستشفى بمدينة الدار البيضاء مختص في علاج مرضى فقدان المناعة المكتسبة". تقر سعاد بأن زوجها هو من نقل إليها المرض دون أن تعلم، "أتذكر أنه كان مريضا جدا، ودخل المستشفى، وظل به ستة أشهر متواصلة، دون أن أعلم سبب مرضه، إلى أن توفي". تقول "كنت كانشوف الأطباء كايهضرو مع عائلتو كانقول ما فيها باس غير كايسولو فيه كيبقا"، ولم يخطر ببالها للحظة أنه حامل لفيروس السيدا، وأنه دمر كل خلايا المناعة لديه ولا أنه في اللحظات الأخيرة من حياته. تصمت للحظات ثم تواصل "كون ما مرضش الواليد كون عمرني ما عرفت، نبقا غادا حتى نطيح فمرة، المهم توجهت إلى المستشفى، والحمد لله المرض كان في بدايته، كانت المناعة ديالي مازالا مزيانة، بقيت كانمشي ونجي، نقد نبقا شهر ولا شهراين، فالطبيب، ندير فالتحاليل، وناخد الدوا". تقول سعاد، إنها عانت بمفردها طيلة أربع سنوات، تخاف أن يكتشف أقرب المقربين لها طبيعة مرضها "حتى والدي فالأول ما قديتش نقولهم باش مريضة، كانعس فالطبيب مدة طويلة، من بعد ما بقيتش قادا نسكت ولا نصبر على المرض ديالي بوحدي"، أول من تخبرها سعاد بحقيقة مرضها كانت والدتها "فالصراحة تقبلت المرض، ما تاهماتني بفساد ما والو"، ورغم ذلك لم تجد فيها السند والدعم النفسي، فوالدتها امرأة عجوز لا تفهم أصلا طبيعة المرض، ولا تفهم لماذا عليها التكتم على "سر" ابنتها ولا تفصح عنه لمن يسأل عن حالة ابنتها الصحية من الجيران والأهل والأصدقاء. والدها هو الآخر لم يختلف حاله عن زوجته " كايشوفني كانبكي كيقولي صافي بحالك بحال الناس غادي تاخذي العلاج، الحمد لله أنه فابور". تأكدت سعاد حينها عليها أن تعيش في عزلة تامة عن المجتمع، تكابد المرض وحدها، فهي تعلم أنها لن تكون محط ترحيب من لدن هذا المجتمع الذي يرفض حتى السلام على المريض إن كان مصابا بهذا الداء. "كانجرب صحاباتي وكانقوليهوم راني عرفت شي وحدة مسكينة فيها السيدا، كلشي كايقول لالا أنا بحال هاديك ما نجلسش حتى معها، ومانشرك لا سلام ولا كلام، كيفاش ندير نشرب معاها ولا تجمعنا طبلة واحدا، لا لا الله ينجينا"، تقول سعاد، تصمت لبرهة ثم تواصل حديثها "الناس ما غاديش يرحموني، أصلا فاش مشيت للجمعيات، كا يقولولي ما تقوليها لحتى واحد، والديا الحمد لله تقبلو مرضي، راه كاين بزاف ديال الناس للي جراو عليهم، للي نكروهوم واليديهم، كاين للي تشرد".مرت السنين، والتقت سعاد بزوجها الثاني، هو الآخر حامل للمرض، اتفقا على الزواج ومواجهة المرض بصيغة المثنى، سيما أنهما يعلمان أهمية السند المعنوي، "لا يمكن أن أجد عملا وأظل فيه شهرا متواصلا، ضروري كانعيا كايخصني نمشي للطبيب ندير التحاليل"، تواصل "في إحدى المرات لم أستطع إتمام عملي، وكنت حديثة الالتحاق به، توجهت إلى صاحب العمل واستأذنته بالمغادرة.. قولت ليه أنا مريضا بالفياش، قالي شنو هو هادشي، قولتلو السيدا، قالي لا لا ماتخدميش معايا، انا نكمليك الشهر ديالك وسيري بحالك". معاناة سعاد مع محيطها لم تقتصر على العائلة والأصدقاء، أشخاص يفترض فيهم جهل مسببات المرض، وأعراضه، وطبيعته، وكيفية انتقال العدوى، لكن مشكلتها الكبرى كانت مع عناصر من الجسم الطبي، ممرضين وأطباء عمقوا جراحها وزادوا من معانتها، تقول سعاد دون أن تتمكن من منع دموعها من الانسياب، "أخيرا، علمت أنني حامل، ولأن زوجي مصاب هو الآخر بالمرض، فالأكيد أن طفلي سيولد مصابا هو الآخر، وعندما رغبت بالإجهاض"، تضيف بصوت متقطع "فاش كانمشي عند طبيب ولا طبيبة ولا فرملية، غير كانقوليهم راني مريضا بالفياش (السيدا)، كيهربو مني، هادو أطباء ماشي ناس عاديين.. حنا ما كايحس بينا غير للي مريض بحالنا نيت". الفيروس ينخر جسد المريض ويدمر حياته"كنا مخيمين أنا وراجلي وولدي، راجلي جاتو السخانة مات فالبلاصة"، تعود فاطمة (42 سنة) بذاكرتها سنوات للوراء، تتذكر حياة فارقتها مضطرة، فهي كانت من بين ملاك المنازل، تعيش حياة سعيدة هي وأسرتها الصغيرة. كان زوجها محبا مخلصا، يوفر لها الكماليات قبل ضروريات الحياة، وكانت سعيدة بموديلات تصنعها وملابس تتقن حياكتها، بعدما حصلت على ديبلوما في الخياطة والتصميمات العصرية.بعد أن علمت سبب وفاة زوجها نزل الخبر كالصاعقة عليها. سارعت إلى أقرب مركز وقامت بالتحليلات اللازمة لتكتشف أنها هي الأخرى مصابة بالمرض ذاته وفي مراحل متقدمة ما يتطلب مصاريف إضافية. قررت الانقطاع فورا عن عالمها القديم. قاطعت عائلتها، وأصدقاءها، "غيرنا المدينة، وبعت كل ما أملك، في البداية اكترينا بيتا صغيرا في حي شعبي، لكن مع تطور المرض، كنت مضطرة إلى الانتقال إلى براكة، مشيت للموقف، قلبت على الخدمة فين ما كانت". لم يكن شظف العيش ولا قلة الموارد سبب معاناة فاطمة، بل حتى المرض لم يتمكن من الحط من معنوياتها، بقدر ما كان هاجس إصابة ابنها بالمرض البعبع الذي يحول ليلها إلى نهار تحرقها."ولدي كان كاينعس وانا كانبقا الليل كلو كانشوف فيه، حالا عيني ما كنسدهومش، كانقلب لايكون بداو الأعراض ديال المرض كايبانو، واش ضعاف واش صفار.."، تبكي فاطمة بحرقة وتسترسل "كنت أنا باه ومو وعائلتو فنفس الوقت، هو كلشي بالنسبة ليا، ولكن كنت خايفة يكون مريض، ما قديتش نديرلو التحليلة، وهو ما عارف على المرض ديالي حتى حاجا، فاللول قنط ومافهمش علاش تبدلنا من مدينتنا وعلاش ولينا ساكنين فبراكة، ما قبلش العيشة الجديدة، ولكن صبر".إلى اليوم، لا يعلم ابن فاطمة البالغ من العمر 17 سنة حقيقة مرض والدته "كنت غادي نموت بالخلعة نهار للي لقا الدوا للي كانشرب، لي أنا مخبياه تحت الناموسية باش ما يشوفوش ويعرف باش أنا مريضة، بقا كا يسولني ديالاش هادا، خطفت الميكة ديال الدوا من يدو وقلتلو لا هاد الدوا ما كانشربوش إلا إيلا تزاد عليا الحال بزاف". لم تجرؤ فاطمة على مصارحة ابنها بالحقيقة "قولتلو راه عندي الميكروب فالدم وصافي"، فقبل بضع سنوات حاولت إخباره "جيت غير نجرب نقولو ما قديتش، سولتو قولتلو تخيل نكون مريضة بالسيدا، قالي أماما خلاص علاش غادي تمرضي بالسيدا، للي كايمرضو بالسيدا راهم غير الفاسدات". هجر المغلي