ملف عـــــــدالة

أخطاء استعمال السلاح الناري تثير نقاشات في طنجة

رجل أمن ودركي انتحرا بسلاحهما الناري في ظروف غامضة

عاشت مدينة طنجة، خلال السنوات الأخيرة، أحداثا مثيرة تشبه في سيناريوهاتها أفلام الإثارة الأميركية، قامت بأدوار البطولة فيها عناصر من رجال الأمن والدرك، سواء تلك التي أطلق فيها الرصاص بطرق شرعية لمواجهة مجرمين وحماية ممتلكات وأعراض المواطنين، أو التي استخدم فيها السلاح الناري بهدف التهديد والابتزاز أو لإلحاق الضرر بالنفس أو الغير.
وخلفت الأحداث الأخيرة، التي راح ضحيتها عنصر من أفراد الأمن بطنجة وآخر ينتمي إلى الدرك الملكي بأصيلة، اللذين وضعا، في حادثتين متفرقتين، حدا لحياتهما بعد أن أطلاقا الرصاص من مسدسيهما الخاصين نحو رأسيهما، استياء وتذمرا في صفوف جميع عناصر الأمن والدرك بالإقليم، وبسطت أمام الرأي العام المحلي والوطني نقاشا واسعا حول الغموض الذي ظل يكتنف ظروف وملابسات مثل هذه الأحداث، التي يستعمل فيها سلاح ناري في غير محله.
وكانت الضحية الأولى، (أحمد.ز) 49 سنة، وهو متزوج وأب لأربعة أبناء، قد استعمل مسدسه في عملية الانتحار، بعد اختلائه بركن مسجد صغير داخل ولاية الأمن بطنجة، وصوب المسدس نحو رأسه ليطلق رصاصة أردته في الحال قتيلا.
وكشفت كل التحقيقات أن القتيل لم تكن له مشاكل مع زملائه ورؤسائه في العمل، إلا أنه كان يعاني من مشاكل عائلية ونزاعات بينه وبين أصهاره، خاصة حول عملية تقسيم مبلغ مالي مترتب عن بيع منزل.
أما الضحية الثانية (ل.ع)، الذي كان يشغل منصب نائب قائد الدرك الملكي بأصيلة، فأقدم على الانتحار بعد أن غادر عمله وتسلل خلسة إلى سطح منزله المجاور لمركز الدرك بمدخل المدينة، ليختلي بنفسه ويركز مسدسه بدقة على عنقه، ثم ضغط على الزناد ليخلف وراءه ثلاثة أبناء صغارا وزوجة حاملا، وذلك بدون أن يشعر أحد بإطلاق الرصاص، رغم أن المنزل لا يبعد عن المركز إلا ببضعة أمتار.
وأفادت مصادر أمنية، أن دوافع إقدام الدركي، البالغ من العمر 42 سنة، على الانتحار،كانت نتيجة لضغوطات مورست عليه من قبل عناصر فرقة التفتيش التابعة للقيادة الجهوية للدرك الملكي بطنجة، إذ مباشرة بعد استدعائه للتحقيق معه، غادر المركز في حالة هستيرية دون أي إشعار، إلى أن عثر عليه في النهاية فوق سطح منزله وسط بركة من الدماء.
ولم تكشف التحقيقات، التي باشرتها الجهات المختصة بخصوص الحادثتين، عن الأسباب والدوافع الحقيقية التي أدت إلى هذه الحوادث المؤلمة، لتنضاف إلى سلسلة الانتحارات المشابهة، التي تفشت بين صفوف حاملي السلاح بصفة عامة، لكونهم «يتميزون» عن غيرهم من المنتحرين الآخرين بامتلاكهم وسيلة الانتحار التي لا تترك لهم فرصة للنجاة.
وكان عدد من المتخصصين في الطب النفسي بالمدينة أكدوا أن دوافع الانتحار لدى رجال الأمن، أو ما أصبح يصطلح عليه «بالانتحار المهني»  لا تخرج عن المشاكل الاجتماعية والعائلية، معتبرين نسبة الانتحار عند رجال الأمن ضئيلة جدا مقارنة بمجموع المنتحرين، إلا أنهم أكدوا على ضرورة إنشاء خلايا محلية للتكفل النفسي ومراقبة كل الذين يواجهون مشاكل نفسية أو اجتماعية لتجنيبهم أي انهيار عصبي محتمل، مع اتخاذ مجموعة من الإجراءات الوقائية لتفكيك مشروع الانتحار لدى الشرطي من خلال تحسين ظروفه المهنية والاجتماعية، خاصة في مجال السكن والصحة والإعانات الاجتماعية…
ولم تقتصر حوادث استعمال السلاح في غير محله على هذين القضيتين البارزتين، بل هناك مغامرات وأحداث أخرى اضطر خلالها رجال الأمن بمختلف رتبهم إلى إشهار أسلحتهم في وجه بعض المتهمين، وقاموا بإطلاق الرصاص عليهم وقتلهم بعد أن وجدوا أنفسهم أمام مجرمين مدججين بأسلحة بيضاء وسيوف وسواطير.
وفي هذا السياق، مازال مفتش بالشرطة القضائية التابعة للأمن الولائي بطنجة، يتذكر اللحظة التي اضطر فيها إلى استعمال سلاحه الناري في تدخل بحي الدرادب، حين كان يحاول الدفاع عن نفسه وعن أرواح زملائه في العمل، وقتل متهما بترويج المخدرات، بعد أن واجههم بسكين وسيف من الحجم الكبير، أصاب بهما رجل أمن بجروح بليغة في ذراعه اليسرى، واثنين من زملائه بجروح متفاوتة الخطورة، أحدهما في وجهه، والآخر في معصمه.
وأمام ارتفاع حالات إطلاق الرصاص من قبل أفراد الأجهزة الأمنية بالمدينة، استهجنت منظمات حقوقية استخدام السلاح ضد المواطنين في حوادث بسيطة لا تحتاج إلى استخدام السلاح، مؤكدة على أن مهمة رجل الأمن تنحصر في حماية أرواح الناس وممتلكاتهم وحقوقهم بدلا من انتهاك هذه الحقوق، وطالبت بفتح تحقيق في عدد من التدخلات التي أصيب خلالها بعض المواطنين، وإصدار أوامر مشددة، تسمح بإطلاق النار إلا في حالة خطر حقيقي.
من جهتهم، عبر عدد من رجال الأمن عن تخوفهم من الحالات التي يضطرون فيها إلى إطلاق الرصاص، نظرا إلى التحقيقات الصارمة التي تفتحها الإدارة العامة للأمن الوطني معهم لتحديد ظروف وملابسات حادث إطلاق عيار ناري، التي غالبا ما تحمل المسؤولية لرجل الأمن، رغم أن استخدام السلاح ضد المجرمين لا يتم إلا بعد فشل كل المحاولات، وهو النظام المتبع في كل الدول.
وقالت مصادر «الصباح» إن «معظمنا أصبح يتهرب من أي تدخل كيف ما كانت طبيعته، نظرا لكوننا أصبحنا نحس أننا أقرب إلى السجن منه إلى مكان آخر، خصوصا عندما تجد نفسك في كثير من الأحيان مضطرا لاستعمال مسدسك لإنقاذ حياتك من موت محقق، فكم من شرطي فقد حياته وترك أبناءه يتامى نتيجة عدم استعماله السلاح، لذا يجب أن نثق في رجال الأمن، لأن هناك بعض المجرمين يستحقون الموت بالرصاص والنار».
من جانبه، أكد مسؤول أمني أن مختلف المصالح الأمنية سبق لها أن توصلت بمذكرة وزارية تبين الحالات التي يمكن فيها لرجل الأمن إطلاق الرصاص، وكذا أماكن الجسد التي يجب التركيز عليها، مشددا على أن إطلاق الرصاص لا يمكن أن يأتي كرد فعل من الوهلة الأولى، إذ يجب على الشرطي أن يهدد المشتبه به وينذره بإطلاق رصاصتين في الهواء، وفي حال عدم الامتثال، يمكن إطلاق رصاصة ثالثة نحو النصف الأسفل من جسم المتهم أو المتلبس بجناية، مشيرا إلى أن المذكرة الأمنية تنص على أن إطلاق الرصاص يبقى آخر حل في المواجهة، أو عندما تتعرض حياة الشرطي للخطر.

المختار الرمشي (طنجة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق