هل يمكن بناء مجتمع قوي بأسر قاصرة؟ شكلت التصريحات المتتالية لبعض وزراء بنكيران، حول مواضيع مرتبطة بالأسرة، نشازا و حيادا عن المنظومة الفكرية للمغاربة والتي تمت صياغتها بنص الدستور الأخير. هل من حق هؤلاء الوزراء أن يخرجوا عن الإجماع الوطني بصدد قضايا من قبيل حقوق الأطفال و النساء التي ناضل الشعب المغربي من أجل دسترتها، وهو مالم يتحقق إلا بعد تضحيات جسام بذلها المغاربة عشقا لهذا الوطن الغالي؟ ألا تشكل تصريحات بسيمة الحقاوي ومصطفى الرميد تمهيدا وتشجيعا لفتاوى الزمزمي والمغراوي غيرهما ممن هب ودب، ليفتي بأمور منافية لتعاليم الدين الإسلامي الحنيف، ولا يمكن إلا أن تصنف ضمن جرائم التحريض على الشذوذ الجنسي؟إن مصادقة المغرب على اتفاقية حقوق الطفل، وعلى اتفاقية منع كل أشكال التمييز ضد المرأة «سيداو» لم تكن إلا استجابة لمطلب وطني لكل للمغاربة في الرقي بالنص القانوني لما يخدم مستقبل الأسرة، تمهيدا لدسترة هذه المؤسسة لتأهيلها كي تقوم بدورها الحقيقي كنواة للمجتمع. فقد سبق للمغرب بتاريخ 21 يونيو 1993 أن صادق على اتفاقية «سيداو» مع التحفظ على بعض بنودها وخاصة المواد: 2و9و15و16 ، قبل أن يعود في 18 أبريل 2011 ليعلن عن رفع تحفظاته عن كل بنود الاتفاقية باستثناء المادة 2 والفقرة 4 من المادة15، وذلك عبر رسالة سرية وجهت من الحكومة المغربية للأمين العام للأمم المتحدة. وتاريخ 18 أبريل 2011 أعلاه تاريخ يجب الوقوف عند دلالته السياسية:فهو تاريخ يشهد عنفوان «الربيع العربي» الذي مهد لطرح التعديلات الدستورية بالمغرب، وهو تاريخ يشهد على تنامي المد الأصولي في العالم العربي والمغرب جزء منه.• وهو تاريخ أيقنت فيه مكونات الحكومة السابقة(حكومة عباس الفاسي) أن رفع التحفظات قد لايصبح ممكنا إبان الحكومة المقبلة –الحالية- التي بدأت آنذاك تشتم منها رائحة المد الأصولي. لذلك فإن الدلالات السياسية لتاريخ 18 أبريل 2011 تجعل المهتم يعتبرها بمثابة سحب البساط من تحت أقدام البرلمان الحالي، الذي أصبح يملك بمقتضى التعديلات الدستورية حق مراقبة العمل الحكومي، فكان لازما أن ترفع تحفظات الدولة المغربية على اتفاقية «سيداو» قبل دخول الدستور حيز التنفيذ و قبل بدء حكومة بنكيران لمهامها. والآن، وبعد أن باشر البرلمان الحالي ومعه الحكومة مهامهما، أصبح التساؤل عن التزامات المغرب الدولية يطرح نفسه بإلحاح شديد، خاصة ونحن نطلع بشكل يكاد يكون يوميا على تصريحات لوزراء بنكيران يعربون من خلالها عن نواياهم في الرجوع بالمغرب لسنوات الظلام الاجتماعي والثقافي والسياسي.وزيرة التنمية الاجتماعية والأسرة و التضامن تصر في خرجاتها الإعلامية على التذكير بمواقفها حينما كانت برلمانية ولا تتردد في الإعلان عن معارضتها للتوجهات الحقوقية للمغرب في مجال الأسرة.بسيمة الحقاوي وفي تصريحين: الأول بجريدة «التجديد» الصادر بتاريخ 3 فبراير 2012 والثاني بجريدة «الأحداث المغربية» العدد 4595 بتاريخ 24 فبراير 2012 وصل بها اجتهادها الى حد اقتراح «عرض جسد المرأة « للاستفتاء الشعبي وهو آخر ابتكار تصل اليه عبقريتها التي راكمتها عبر «اختصاصها الأكاديمي» واهتماماتها الجمعوية وتجربتها النيابية. وخاصة داخل لجنة القطاعات الاجتماعية.تسع سنوات من الاشتغال بلجنة القطاعات الاجتماعية كانت كافية للوزيرة كي تكتشف أن حق المرأة في جسدها يجب أن يعرض على الشعب في استفتاء يبدو أنه الحل الأخير للتخلص نهائيا من شبح ظل يلاحق السيدة بسيمة و رجالات العدالة و التنمية وهو شبح الحقوق الانسانية للمرأة ، التي تجاهلت السيدة الوزيرة أنها حقوق لا تحتاج لأي استفتاء مادامت الدولة المغربية قد صادقت على اتفاقية منع كل أشكال التمييز ضد المرأة ورفعت جل التحفظات بشأنها.ومقترح الوزيرة المتعلق بالاستفتاء الشعبي لم يكن من باب الجهل بالأمور، ولكن من صلب العلم بها، وهو أخطر ما في الأمر، مادام أن السبيل الوحيد للتخلص من التزامات المغرب الدولية يمكن أن يكون عبر الاستفتاء، الأمر الذي يجعل من مقترح السيدة الوزيرة تعبيرا واضحا عن إصرار توجه سياسي داخل حكومة بنكيران على مراجعة التزامات المغرب الدولية مراجعة شاملة وهو أمر طبيعي بالنظر إلى مواقف هذا التوجه من المسألة الحقوقية بشكل عام والذي يلبسها ثوب «الخصوصية المغربية» كلما رغب في التمويه، مع العلم أن الدستور الحالي يتحدث عن حقوق الانسان بصيغتها الكونية، و كما هي متعارف عليها عالميا و ليس مغربيا ،وهو مطلب ناضلت من أجله الجمعيات الحقوقية و في مقدمتها الجمعيات النسائية وقدمت تضحيات من أجل أن تصبح المرأة في منصب القرار.ومباشرة بعد أن أصبحت بسيمة الحقاوي في منصب القرار لم تجد من تعبير لتقدير وتثمين دور الحركة النسائية سوى ما صرحت به لجريدة الاحداث المغربية من «أن المنظمات النسائية المغربية لم تنجح مع الأسف بعد في خلخلة العقليات الذكورية « كما لو أن وصول بسيمة للوزارة كان بفضل طلاسيم فقيه أو دجال.لذلك أخذت الوزيرة على عاتقها مسؤولية إلغاء الجمعيات النسائية و أكدت في التصريح نفسها أنها ستعمل في المستقبل مع النساء – وليس مع المنظمات النسائية- على «خلخلة» العقلية الذكورية. فمن هن النساء اللواتي ستعمل الوزيرة بمعيتهن؟الحقيقة أنه لم يكن من الغرابة في شيء أن نلاحظ و نعاين يوميا ومنذ صعود حكومة بنكيران تجييشا غريبا للفضاء الجمعوي بجمعيات ذات توجهات أصولية كانت إلى حدود ما قبل الانتخابات التشريعية بمثابة «خلايا نائمة»، تمكنت في ظرف قياسي من الحصول على ما يكفي من الدعم المادي لمباشرة مهمتها في الإجهاز على كل مكتسبات الحركة الحقوقية والحركة النسائية تحديدا. فهل هن النساء اللواتي ستعمل بمعيتهن الوزيرة ؟.بسيمة الحقاوي لم تقف عند هذا الحد، بل سارعت مرة أخرى وفي أوج الضجة التي أثارتها تصريحاتها ، الى استباق كل التحليلات والتعليقات لتوجيه الرأي العام الوطني في قضية «أمينة الفيلالي» شهيدة المنظومة القانونية التي طالما طالبت الجمعيات الحقوقية بمراجعتها لملاءمتها مع اتفاقية حقوق الطفل التي صادق عليها المغرب قبل صدور مدونة الأسرة .بسيمة الحقاوي لم تكن وحدها في «الميدان» هذه المرة بل كانت «مؤازرة» من طرف وزير العدل والحريات الذي أصر على غير عادة الوزراء، على استباق كل التحاليل بل وحتى قبل انتهاء البحث القضائي المفتوح حول ملف أمينة-الشهيدة لتوجيهه، في ضرب سافر لأبسط مبادئ استقلال القضاء، الذي ناضل المغاربة من أجل الإعتراف به كسلطة عهد بحماية استقلالها دستوريا للملك الذي ينوب عنه المصطفى من المغاربة لوزارة العدل. إن الإذن بزواج القاصر، معناه الإذن بتأسيس أسرة قاصرة، والإذن بالتأسيس لعلاقات اجتماعية قاصرة على مواكبة التحديات بمختلف تنوعاتها، وتأسيس مجتمع قاصر على مجاراة مجتمعات المنتظم الدولي، وهذا كله بمباركة من وزراء بنكيران.فحينما تغتصب طفولة المغاربة، ويعفى الجاني من العقاب بمقتضيات تشريعية، ويسارع الوزراء إلى الدفاع عن الاغتصاب وعن الإفلات من العقاب ، فاعلم أن ثمة أمورا تحاك في الظلام ستحول الحلم الجميل لهذا الوطن، لشبح قد يعصف بمكتسباته، ويعود به لسنوات وأد القيم الوطنية الفضلى .نتحدث عن وزارة التنمية الإجتماعية والأسرة والتضامن، من جهة ، وزارة العدل والحريات ، من جهة أخرى. وزارتان بمثابة أساسات البناء الإجتماعي ولا يمكن لأي مجتمع أن ينهض بدون تسلحهما بما يكفي من الوطنية ،بعيدا عن الحسابات الايديولوجية والمذهبية والسياسوية الضيقة، التي ينبغي أن تتقزم أمام المصالح العليا للوطن ، خاصة في خضم الأوضاع و التحولات الإقليمية الراهنة.إن بناء أي مشروع مجتمعي لا يمكن أن يمر عبر المنطق المؤطر لتصريحات وزراء بنكيران، التي لا تختلف في شيء عن فتاوى الزمزمي و المغراوي وغيرهما من الدجالين الذين يركبون سفينة «الدين» لشق أمواج «السياسة « ويتجاهلون أنهم بذلك يسيؤون للدين وللسياسة معا. بقلم: الراجي مولاي الحسين, رئيس نقابة المحامين بالمغرب