مجتمع

تـازة… الـهـدوء الـذي يـسـبـق الـعـاصـفـة

فعاليات طالبت بتحقيق جدي في وفاة الزوهري والائتلاف الحقوقي دعا إلى مسيرة شعبية

تبدو مدينة تازة، هادئة في عيون كل زائر جديد. إنه هدوء حذر، سرعان ما تعقبه رجات تختلف أسبابها ودواعيها، وتحرك شبابها في «انتفاضات» قد لا تخلو من «أخطاء»،
لكن المقاربة الأمنية، برأي أهلها، لن تجدي نفعا في ظل استفحال الأسباب الكامنة وراء ما عاشته وتعيشه من احتجاجات.

أفرغت تلك المقاربة وتسريب لائحة المبحوث عنهم، بعض الأحياء من شبابها الذين هربوا إلى مدن أخرى، خوفا من الاعتقال، وعاد الوضع ليتأجج مع وفاة تلميذ سقط في منحدر. حديث أبنائها مؤلم عن «تصرفات» قاسية من أفراد أمن، والائتلاف الحقوقي دعا لمسيرة ابتداء من الخامسة مساء الجمعة.

طفلة جريحة
«كنت كنطل من السرجم. ضربني بجباد فيه بوس د الحديد. جاني في نيفي».. بهذه العبارات شرعت الطفلة فضيلة بنكمرة ذات الأحد عشر ربيعا، ابنة جار نبيل الزوهري، التلميذ المتوفى أثناء تدخل أمني بموقع مجاور لحي الكوشة، في حكي قصة إصابتها على يد فرد من القوات العمومية. أمام باب مصحة بتازة، بدت فضيلة التلميذة بالقسم الخامس بمؤسسة خاصة، في حالة نفسية صعبة، وهي تسرد الواقعة وعثورها على ثلاثة نماذج من «الأسلحة» المستعملة في ترهيبها وثنيها عن الوقوف بنافذة منزل والدها بالطابق الثالث، في اليوم الموالي لحادث سقوط نبيل في منحدر صخري.
أما شقيقتها، فكانت أفصح وأدق في روايتها للحدث، حين وصفها رجل الأمن المعتدي، متحدثة عن سمرة لون بشرته وارتدائه زيا أخضرا، فيما قال شقيقهما الأصغر، إنه «مخازني». تلك شهادات أطفال أبرياء لا يعرفون للكذب، سبيلا، وهم يسترجعون ذكرى إصابة أختتهم بكسر في الأنف بعد رميها بمقلاع.
انتفاخ في عين وأنف الطفلة التي بدت ما تزال تنزف دما، بعد أن نقلها والدها مساء الاثنين، إلى المصحة، للوقوف على حالتها الصحية بعد إخضاعها للكشوفات الطبية الضرورية بقسم المستعجلات وعرضها على طبيب اختصاصي، مباشرة بعد الحادث الذي حفر في نفسية عائلتها ندوبا.والدها عبد المجيد بنكمرة، صاحب شركات للنظافة والأمن الخاص، الذي كان خارج المنزل حين إصابة فضيلة، مصر على مقاضاة جهاز الأمن، ملتمسا دعما من جمعيات الطفولة وحقوق الإنسان، فيما وصف شقيقه، الحادث ب»البشع»، متسائلا عن ذنب تلك الطفلة حتى تتعرض إلى هذا «العقاب».

أعمال تخريبية
حقوقيو تازة أكدوا أن فضيلة ليست الضحية الوحيدة في تدخل أمني عشوائي تزامن مع مواساة المعارف، لأسرة نبيل بعد إعلان وفاته، وتحدثوا عن إصابة امرأة مسنة ومصابة بداء السكري، بحالة إغماء نقلت إثره إلى المستشفى.
وأشاروا إلى أن بعض أفراد الأمن استعملوا مقالع لصد كل من يطل من نوافذ الطوابق العليا لمنازل حي الكوشة، خاصة جيران الضحية، فيما يبدو سلوك لـ»منع أي تصوير لتدخلهم العنيف»، مؤكدين معاينتهم نافذة وبابا مكسرتين، وحضور بعضهم، تلك التصرفات التي وصفوها ب»الطائشة».  أخ أبي فضيلة، وصف ما وقع ب»الرهيب»، و»ما شاهدت ذلك حتى في الأفلام»، متحدثا عن محاولة الاعتداء على رجل مسن أمام عينيه، والنطق بكلمات نابية ومهينة، مؤكدا أن المعتدي على ابنة أخيه، طالبها بالدخول باستعمال كلمة مهينة، مستغربا تلك التصرفات اتجاه مواطنين عزل.
وأكد ممثلون عن الائتلاف الحقوقي المكون من 10 هيآت حقوقية محلية، معاينتهم «عن قرب وبالعين المجردة»، «فظاعة الأعمال التخريبية من تكسير ورشق بالحجارة لنوافذ بعض المنازل»، مؤكدين أنه «حتى عائلة نبيل الزوهري، لم تسلم من ذلك حين تقديم العزاء لها من قبل معارف».
وتعرض ممثلون عن الائتلاف المذكور ومدير موقع إلكتروني محلي، زاروا الحي للوقوف على ما جرى به بعد التدخل الأمني، بدورهم إلى مضايقات ورشق بالحجارة من قبل قوات «السيمي»، ما اضطرهم إلى الاحتماء بمنازل السكان، قبل مطالبتهم بالابتعاد عن الحي، «حماية لأنفسهم».

مشاهد مروعة
حكى عبد الفتاح أولهاني، مدير موقع «تازة 24» الإلكتروني، مشاهد مروعة مما عاشه و3 حقوقيين بينهم رئيس فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، ليلة السبت/ الأحد بعد رشقهم بالحجارة من قبل أفراد الأمن، ومحاصرتهم داخل منزل قبل فرارهم ، مؤكدا الوقائع السالف ذكرها.
وتحدث عن هجوم أمني عنيف على منزل أسرة الضحية نبيل الزوهري، والنشطاء الحقوقيين، دون أن يستبعد أن يكون مقصودا طالما أن «كل السلطات كانت على علم بوجود ائتلاف حقوقي في عين المكان، لجمع المعطيات»، مؤكدا معاينته حجرا فوق سرير بمنزل تعرضت نافذته للتكسير.  
هذه الحقائق أكدها محمد بلشقر، رئيس فرع الهيأة الوطنية لحماية المال العام بالمدينة، ومصادر حقوقية أخرى، فيما رأى فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، في بيان له، أن ما أسماه «ممارسات رعناء»، لم تقف عند حد وفاة الضحية، بل «قامت قوات الأمن بتدخل عنيف دون مراعاة للفاجعة».
هذا التدخل حسب قوله، استهدف « مراسيم العزاء التي كان يشهدها منزل أسرة التلميذ نبيل الزوهري»، ما «عاينه الائتلاف المحلي للدفاع عن الحقوق والحريات، أثناء الزيارة التي قام بها لمواساة تلك العائلة وتقديم العزاء لها في فقدان ابنها، وللوقوف على ملابسات الوفاة».
وبدوره تحدث الفرع عن «رشق المنازل المجاورة لمكان العزاء، بالحجارة، ما أدى إلى إصابة طفلة بكسر في أنفسها، إضافة إلى تخريب الممتلكات والسب والقذف في حق المواطنات والمواطنين، ما أدى إلى خلق جو من الرعب والهلع وسط السكان»، متحدثا عن تطويق أمني للحي بكامله.  

شهادات صادمة
الوقائع ذاتها أكدها أحد أبناء حي الكوشة، الذي رفض الكشف عن اسمه، متحدثا عن مواجهات في محيط الحي، بين شبابه والأمن، اندلعت ليلة السبت/ الأحد، أعقبتها هدنة مؤقتة، قبل أن «يشرع أفراد الأمن في رشق المنازل بالحجارة، دون استثناء منزل أسرة الهالك».
وأكد أن حجرا كاد يصيب امرأة وهي نائمة، مشيرا إلى نقل الطفلة المصابة على متن سيارة خاصة بعد عدم حضور سيارة الإسعاف. وتحدث عن «ترسانة أمنية قوية حاصرت الحي إلى نحو الرابعة صباحا»، دون أن يحدد وباقي المصادر رقم المصابين.وتحدث عن وجود مساومة لعائلة الضحية وتعرضها لضغوطات، على أساس التكفل بمصاريف جنازة ابنها، و»توافد مجموعة من المناضلين والمتعاطفين والسكان، لتعزية العائلة منذ صباح الأحد» وإلى حين إحضار جثة الهالك نحو الرابعة مساء، حيث انطلقت مسيرة من المقبرة في اتجاه العمالة.المصدر نفسه قال إن نحو 4 آلاف شخص شاركوا في تأبين نبيل، وسط «جو مكهرب جدا»، إذ «خرجت تازة عن بكرة أبيها، لتوديع نبيل بالبكاء والنحيب، واستنكارا للحصار المضروب على المدينة منذ أكثر من شهرين»، متحدثا عن مداهمة سيارة أمن للمتظاهرين.
وأكد معاينته إصابة شاب في عقده الثاني، بجرح غائر في جبهته، واستعمال القنابل المسيلة للدموع في تفريق المحتجين، و»ترهيب واستفزاز النساء منهم»، ومطاردتهم إلى ساحة أحراش، في ظل جو من الرعب رافقه إغلاق المتاجر والمقاهي، قبل أن تهدأ الأوضاع نحو السابعة ليلا.  

أجواء ملغومة
الساعة تشير إلى الرابعة عصر الاثنين.. أجواء غير طبيعية بالمحكمة الابتدائية بتازة. سيارات أمن ترابط في محيطها، وأعين أفرادها على بابها الخارجي، تحسبا لأي طارئ. في بهوها، بدا 3 أفراد أمن، اثنان منهم مدججون بسلاحين ناريين متطورين، والقاعة اكتظت بعشرات المواطنين والفعاليات. أما المناسبة، فمحاكمة جادة بوبكار ويوسف أحجييج ولحسن دراجو ومحمد بوكمارة، طلبة النهج الديمقراطي القاعدي بالكلية المتعددة التخصصات، على خلفية أحداث تازة السابقة، بعد ساعات فقط، من إحالة امحمد بوبسي، رفيق القتيل نبيل الزوهري، على استئنافية المدينة، بتهم «ثقيلة».
من هذه النقطة، انطلق البحث فيما تعيشه مدينة تازة، من تطورات. لم يكن ذلك سهلا خاصة أمام «تموقف» حقوقيين، مما نشر إعلاميا في اليوم نفسه، حول ظروف وفاة نبيل. مسلسل «جبر الخواطر» لم يدم طويلا، قبل عقد «جلسات» استماع، بعيدا عن المحاضر، لفك لغز ما وقع ومعرفة آخر المستجدات.
تلاميذ ثانوية سيدي عزوز بالمدينة القديمة، وإعدادية العهد الجديد بحي الكوشة، لبوا نداء إلكترونيا لزملائهم، بالاحتجاج ابتداء من الثانية والنصف زوالا، ردا على وفاة زميلهم، وخرجوا في مسيرة سلمية، قبل أن تفرقهم عناصر الأمن.  
أجواء الاحتقان متواصلة بهذه المدينة الجميلة، وأعضاء الائتلاف الحقوقي عقدوا ليلا، اجتماعا بمقر فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، قرروا فيه تقديم المسيرة الشعبية المقررة الأحد المقبل، بيومين، مراعاة لهذا المستجد، وتزامن الموعد الأول مع احتجاجات ممركزة بالرباط.

روايات الوفاة
يتحدث بعض معارف الضحية نبيل الزوهري، عن زيارته من قبل بعض زملائه، صباح السبت، إذ رافقهم في جولة سياحية، إلى موقع به صخور مطل على وادي بوزكري البعيد بنحو 500 متر عن حي الكوشة، للاستجمام والترفيه عن النفس.وينفون أن يكون الحادث عرضيا، مؤكدين أنهم فوجئوا بالعدد «الهائل» من عناصر الأمن، يلاحقونه، إذ سار نبيل في طريق زميله المعتقل امحمد بوبسي، الوحيد الذي يعرف حقيقة ما جرى قبل سقوط نبيل في منحدر على علو فاق 20 مترا وارتطام جسده بصخور. وقال أحد أبناء حي الكوشة، إن عناصر الأمن كانوا يتوافدون يوميا على الموقع، قبل يومين أو أكثر، بداعي البحث عن مطلوبين للعدالة، على خلفية أحداث فاتح فبراير، مستغربا تسريب لائحة بأسماء المبحوث عنهم، وظروفها وملابساتها والسر الكامن وراءها.
وأوضح أن الأمن غلب المقاربة الأمنية في التعامل مع كل الاحتجاجات التي سبقت الحادث، بما في ذلك التضامن مع سكان بني بوعياش، متحدثا عن استفزازات واعتقالات طالت البعض قبل إطلاق سراحهم، و»مداهمة الشباب في نزهتهم، لم يكن اعتباطيا، بل على خلفية البحث عن مطلوبين».
ويقول محمد بلشقر إن جهات أمنية مسؤولة، أطلعته على فيديو فيه اعتراف من الضحية بتدخين الحشيش، ما لم يستسغه، خاصة أن المعني بالأمر كان في حالة غيبوبة، و»حتى إن آمنا بهذه الفرضية، فالواجب يفرض إخضاع المعني بالأمر للعلاج، وليس الاستماع إليه في ظروف صحية صعبة».

مـقـاربـة أمـنـيـة
يرى حقوقيون أن المقاربة الأمنية، لن تجدي نفعا فيما تعيشه مدينة تازة التي قال سعيد الطاهري مسؤول بحزب الاتحاد الاشتراكي، إن مسيريها من نفس أحزاب الائتلاف الحكومي، مستغربا عدم إشراك الأحزاب والمجتمع المدني في حل المشاكل المتفاقمة، كما يقر بذلك الدستور.  
وبعد أن سرد كرونولوجيا الأحداث، وما سبقها، يؤكد محمد بلشقر عضو فرع الهيأة الوطنية لحماية المال العام، أن ما يقع ووقع بتازة منذ نحو سنة، مرتبط بملفات مطلبية للسكان، انطلقت شرارتها الأولى مع جمعية المجازين المعطلين وعمال الحي الصناعي وتشريد عائلاتهم بإغلاق المصانع.
كل ذلك انضاف إلى مطالب اجتماعية مرتبطة بالهشاشة، ما ولد احتقانا يجب التعامل معه، بجدية، متهما السلطات الإقليمية والبلدية، بالتعامل باستخفاف مع تلك المطالب، مؤكدا أن أكثر من 70 في المائة من حالات الاحتقان، سببها المجلس البلدي المحلي.
وتحدث عن تقديم الهيأة تسع شكايات مختلفة حول سوء تدبير المرفق العام، لم تنل الاهتمام الضروري، خاصة تلك المتعلقة بالحدائق والإنارة العمومية والنصب والاحتيال في السوق الأسبوعي، واختلاس المال العام، في بعض الجماعات.
وأكد أن المقاربة الأمنية المتعامل بها مع مختلف الأحداث التي شهدتها تازة في 4 يناير و1 فبراير، «ستؤدي إلى مزيد من الاحتقان، ونتائج عكسية خاصة في غياب الحوار الجاد والمسؤول، والتواصل البناء»، متمنيا أن يتم تدارك ذلك لاحقا لإعادة الهدوء إلى مدينة محتاجة إلى مشاريع تنموية حقيقية.

حميد الأبيض (موفد الصباح إلى تازة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق