fbpx
مجتمع

سكان تطوان ينامون تحت سقف الموت

دراسة تتحدث عن 670 منزلا آيلا للسقوط بالمدينة العتيقة

عند حلول فصل الشتاء كل سنة، وما يحمله من تساقطات مطرية، تتجدد مخاوف سكان المنازل العتيقة بتطوان، وتبدأ هواجسهم ورعبهم في مهاجمة ساعات نومهم، إذ يدرك هؤلاء أكثر من غيرهم، أنهم ينامون تحت سقف الموت، وأن الأخير يهدد

في كل لحظة أو بالأحرى عند كل هبوب رياح بالسقوط على رؤوسهم.  حي الملاح والعيون والجنوي وباب الرموز وغيرها من الأحياء الشعبية الأخرى التي تأثرت بعامل الزمن والإهمال وبسبب العوامل الجوية الرطبة التي أثرت عليها، وكذلك بعدم اتخاذ أية تدابير استعجالية ووقائية من طرف الجهات المختصة، وتحديدا الجماعة الحضرية، والنتيجة أن مئات الأسر تعيش حالة رعب شديد في عقر ديارها.

670 منزلا آيلا للسقوط
كشف الدكتور امحمد بنعبود، عن جمعية تيطاوين أسمير، وأحد أبرز النخب المحلية، والباحث في مجال التأريخ الأندلسي والتراث الثقافي للمدينة بصفة عامة، ل”الصباح” عن مضامين دراسة إحصائية للمنازل الآيلة للسقوط ، إذ قال “أنجزت هذه الدراسة في الصيف الماضي وتم خلالها إحصاء 670 منزلا آيلا للسقوط، منها 80 خربة و202 منزل آيل للسقوط و350 منزلا في وضعية متدهورة و22 منزلا في وضعية جيدة و28 فقط استفادت من عمليات تدعيم”.
في المقابل، تقول مصادر من السلطات العمومية إنها أنجزت تقريرا حول عدد كبير من البنايات الآيلة للسقوط، وأن هناك اعتمادات مالية خصصت لمعالجة الدور الآيلة للسقوط في إطار برنامج  تسهر عليه مؤسسة العمران منذ حوالي ثلاث سنوات، بالإضافة إلى اعتمادات مالية مهمة خصصتها الجماعة الحضرية لهذا الغرض والتي تستحق التدخل العاجل من أجل إصلاح ما يمكن إصلاحه، لكن الوضع مازال على ما هو عليه.
ويصنف بنعبود مشكل المنازل الآيلة للسقوط في تطوان، ضمن خانة المشاكل الخطيرة التي تعانيها مدينة تطوان العتيقة، مضيفا “تعددت أسباب فشل المؤسسات التي يفترض أنها مكلفة بهذا المشكل، وعدم تعاملها مع هذه الظاهرة بالجدية التي تستحقها، سيؤدي لا محالة إلى كارثة، فالمدينة العتيقة ليست ضمن الأولويات”.

الأمطار السبب الأول لانهيار المنازل
يعزو بنعبود أسباب تهديد هذه المباني بالانهيار إلى “الأمطار الغزيرة التي سقطت في السنة الماضية والتي تسببت في تلاشي بعض مواد البناء كالخشب والحديد، مما يؤدي إلى سقوط عدد من سقوف المنازل، “بل إن انهيار بعض المنازل يؤدي حتما إلى سقوط المنازل المجاورة لها لأنها تدعم بعضها البعض وتسقط عند إلغاء هذا الشرط”. إضافة إلى أن البناء فوق السطوح بدون اتخاذ الإجراءات اللازمة للدعم تتسبب في تدهور المنازل وتؤدي إلى سقوطها، ناهيك عن أن ماء شبكة “السكوندو” التي توجد تحت الأرض يتسرب ويتسبب في تدهور وضعية بعض المنازل أيضا، ويحدث كل ذلك في الوقت الذي تم فيه تجميد برنامج دعم  المنازل الآيلة للسقوط مما يساهم في تدهور وضعيتها وسقوطها”.
ويحمل بنعبود المسؤولية للجماعة الحضرية، مرجعا تدهور بنايات المدينة العتيقة إلى افتقاد الجماعة مخططا يعيد إليها الاعتبار اللازم. ولمعرفة وجهة نظر هذه المؤسسة المنتخبة التي تتشكل أغلبيتها من الاتحاد الاشتراكي وحزب العدالة والتنمية، كان لابد من ربط الاتصال بنائب الرئيس المكلف بتدبير شؤون المدينة العتيقة، وهو الأمر الذي تعذر على “لصباح”، بعدما تلقت وعدا منه بتقديم تصريح رسمي، الأمر الذي يبدو أنه لم يتمكن منه.
وفي الموضوع ذاته تقول مصادر أخرى، إن الجماعة الحضرية تتوفر على ميزانية لتنظيف الخرب، لكنها لا تصرفها في هذا الغرض، والخطير في الأمر تضيف المصادر ذاتها “هو أن كل تأخر في التدخل يؤدي حتما إلى سقوط المزيد من المنازل الآيلة للسقوط، وبالتالي المشكل هو مشكل العجز عن التدبير بالدرجة الأولى، ولذلك فنحن نريد فقط أن نفهم ما الذي يمنع السلطات المعنية من تفعيل البرنامج الذي يفترض أن جلالة الملك سوف يدشن انطلاقة أشغاله؟”.
السكان مستاؤون
السكان، من جانبهم، مستاؤون لتدهور حال المدينة العتيقة، إذ يجمع أغلبهم على أن أحوال دروبهم وأزقتهم توجد خارج تغطية المسؤولين بالجماعة الحضرية، الذين يعتبرونهم خزانا للأصوات الانتخابية، “يتواصلون معنا كلما هل هلال الانتخابات ثم لا يلبثون أن يختفوا، إلى حين عودة الانتخابات ليرفعوا شعاراتهم الرنانة” يقول أحد شباب المدينة القديمة. فيما يؤكد آخر من حي باب الرموز أنه سبق لسكان الحي أن تقدموا بعدة شكايات إلى السلطات المعنية لإيجاد حل لهذا الخطر الذي يهدد حياتهم، لكنها لم تلتفت إلى حالهم ولم تكلف نفسها عناء زيارتهم، خاصة أن موسم الأمطار على الأبواب.
من جهته يؤكد محمد، وهو طالب باحث، في 35 من عمره، من سكان حي باب السفلي، أن من شأن أشغال الحفر العشوائية إلى جانب البناء العشوائي السري، أن يعجلا بحدوث انهيارات في المدينة العتيقة. ويخشى مهتمون بالجانب الاركيولوجي أن تتفاقم حوادث انهيار وسقوط هذه المنازل، كما حدث في عدد من الأحياء وتحديدا في عمارة مماثلة قرب مقر الباشوية، نتيجة الإهمال الكبير الذي طرأ على إصلاح هذه البنايات التي تختزل تاريخا وحضارة إسبانية مغربية.
يذكر أن الحكومة المستقلة لاشبيلية كانت قد ساهمت منذ سنوات في إصلاح عدد كبير من العمارات القديمة ذات الطراز الاسباني الخالص، وذلك في إطار اتفاقية أبرمتها مع المجموعة الحضرية، من أجل الحفاظ على الإرث الاسباني في مدينة تطوان. “يفترض أن يتم اهتمام المسؤولين المحليين بمدينة تطوان العتيقة المصنفة ضمن التراث العالمي منذ 1997″، يقول مسؤول رفيع المستوى فضل عدم الكشف عن هويته، مضيفا أنه “يفترض إدراج مدينة تطوان العتيقة ضمن الاهتمام الكبير الذي تحظى به مدينة تطوان ونواحيها في إطار برنامج التأهيل الحضري وفي إطار إعادة الاعتبار إلى الأقاليم الشمالية، خصوصا إذا اعتبرنا اهتمام جلالة الملك محمد السادس بتنمية هذه الأقاليم اقتصاديا وبشريا، إذ رغم أن المدينة عرفت اهتماما كبيرا خلال السنوات الأخيرة، ظلت المدينة العتيقة مهمشة إلى حد بعيد”.
ويرى محمد، الطالب الباحث، أن “جميع المسؤولين يعترفون بأن درجة تدهور أوضاع المدينة العتيقة خطيرة جدا وأن التدابير والقرارات التي اتخذت لمعالجة الوضعية لم تكن كافية بدليل أن المشاكل نفسها التي تم تحديدها منذ عقد من الزمن على الأقل ما زالت مطروحة إلى يومنا هذا”.

يوسف الجوهري (تطوان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق