fbpx
مجتمع

مستخدمو مراكز النداء… أجسادهم في المغرب وأرواحهم في الخارج

يقضون ساعات طويلة من العمل في مدن ألمانية ويعودون إلى منازلهم بالرباط

كانت الساعة تشير إلى الساعة التاسعة صباحا من نهاية الأسبوع الماضي، اصطف عشرات المستخدمين أمام مركز نداء بالرباط، لبدء رحلة عمل في ألمانيا انطلاقا من المغرب. شبان في مقتبل العمر يتهافت بعضهم على حواسيب تشتغل بطريقة جيدة، بعدما أغلقوا هواتفهم المحمولة لإبعاد كل الشبهات عن وجودهم بالمغرب، فيما بعض منهم يتبادلون أطراف الحديث بالإشارات خوفا من عتاب رئيسهم في العمل.

شباب يقضي ساعات من العمل بين مدن ألمانية وسويسرية. ولبدء رحلة عمل داخل ألمانيا، لابد أن تكون قد تعلمت من الحيل ما يكفيك لجعل الزبون يزور المعرض الذي تشتغل فيه متحدثا إليه بأسماء أجنبية مستعارة وبلغة متقنة.
جاك (اسم مستعار لشاب مغربي) واحد من المستخدمين بمركز نداء وسط الرباط، يجلس أمام حاسوب طيلة ثماني ساعات كل يوم  للبحث عن زبناء شركة أجنبية تسعى إلى تسويق منتوجها داخل مدن ألمانية. بدأ جاك رحلته لهذا اليوم في مدينة بون وهو منشغل بمكالمات هاتفية يحاول فيها إقناع الألمان بضرورة زيارة معرض داخل أحد الفنادق.
ولحسن حظ جاك، عثر بعد ثمانية اتصالات  هاتفية على ألماني  يرغب في زيارة المعرض الذي تنظمه هذه الشركة قصد الاطلاع على تحف ذات جودة عالية تقوم بتسويقها شركة أجنبية حطت رحالها منذ ثلاث سنوات بالمغرب.
«لتقنع الزبون بألمانيا لابد من فرض نفسك عليه»،  يقول جاك دون أن يتوقف عن تركيب أرقام ويتحدث إلى من رد على اتصاله. تعود جاك على الكلام باللغة الألمانية بسرعة فائقة محاولة منه الإيحاء بأنه أوروبي يثقن اللغة الألمانية.
«أنا جاك من مدينة فرنسية نقوم بتنظيم معرض وسط مدينة بون، وهذه المرة نتوفر على سلع جيدة»، يتحدث جاك على الهاتف، فرد عليه الألماني هوفمان «من زودك برقمي الهاتفي»، ضحك جاك بلباقة وأخبره بأنه منذ سنتين اقتنى سلعا من الشركة نفسها التي يشتغل بها، ليقوم الألماني بعدها بملء استمارة، فيها رقم هاتفه المحمول وعنوانه الشخصي.
بدا هوفمان مندهشا من كلام جاك الذي أكد له أنه سيكون في الموعد للقائه يوم المعرض. هذه الحيلة وغيرها، أساليب يستطيع آلاف المستخدمين بمراكز النداء القيام بها لإقناع الزبون بزيارة المعارض كل يوم في دولة ناطقة باللغة الألمانية كسويسرا والنمسا وألمانيا.

يوم في ألمانيا
في كل يوم يتجول العشرات من المستخدمين المغاربة من الرباط، وسط مدن ألمانية من الشمال إلى الجنوب. شباب تعرفوا على مدن ألمانية عبر الاشتغال بمراكز الاتصال، يقول جاك «لإبعاد كل الشبهات يجب أن تكون على إلمام بعنوان الزبون وبرقمه الهاتفي وباسم وعنوان الفندق الذي ينظم المعرض».
ومن خلال التجارب التي قضاها جاك والكثيرون من رفاقه بمراكز النداء الذين تحدث البعض منهم ل»الصباح»، أصبح هؤلاء على إلمام كبير بعدد من الشوارع الألمانية والأزقة والساحات المشهورة بالدول الجرمانية. ومن المستخدمين من عثر أثناء إبحاره في ألمانيا على أصدقاء ألمان أصبح يتبادل معهم رسائل الصداقة، ومنهم من تعلم لكنات أجانب يقطنون بهذا البلد الأوروبي، لكنات مهاجرين أتراك وروس وبولونيين.. أصبحت بمثابة طرائف مضحكة لهؤلاء المستخدمين بمراكز النداء.

لغة غوته … وسيلة لاصطياد الزبناء
أصبح قطاع ترحيل الخدمات يوفر آلاف مناصب الشغل في المغرب. وتعد اللغات الأجنبية المفتاح السحري للحصول على فرصة عمل داخل هذه المراكز، سبق لجاك أن درس اللغة الألمانية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، واستطاع خلال مشواره المهني أن يتقن لغة غوته كما أصبح على إلمام بالأمثال الشعبية الألمانية القديمة، يوظفها مع زبائنه الألمان للإيقاع  بهم في الفخ وإقناعهم بزيارة المعرض، «في حالة عدم حديثك جيدا باللغة الألمانية يقوم الزبون بإطفاء الهاتف في وجهك» يقول جاك.
وحتى ينجح في العمل بمركز النداء، يجب على المستخدم تجنب الحديث بلغة «الضاد» التي لا يجوز استعمالها إلا بإشارات ورموز متعارف عليها من قبل المغاربة، أما الحديث بها علنيا فيسبب مشاكل لهؤلاء الشباب تصل إلى حد الطرد.

إبحار بأسماء أوربية مستعارة
للبحث عن زبائن داخل ألمانيا  تفرض مراكز النداء على مستخدميها أسماء أوروبية مستعارة، وتظل هذه الأسماء لصيقة بأصحابها، وعند خروج العشرات من المستخدمين إلى بهو المركز لتناول وجبة أكل أو تدخين سيجارة،  تجد العشرات منهم ينادون على بعضهم بأسماء أجنبية مستعارة، منهم من لا يعرف الاسم الحقيقي لزميله رغم أنهما يشتغلان بالمركز ذاته لمدة طويلة.
يقول أحد الأطر بقطاع ترحيل الخدمات في تصريح للصباح «مراكز النداء تفرض على المستخدمين أسماء مستعارة لإبعاد كل الشبهات بوجود هذه المراكز بالمغرب»، وحسب محدثنا فالحديث باللغة العربية خلق مشاكل للمركز، إذ يتصل الزبناء في ألمانيا أو فرنسا بمصالح الأمن ويتم إخبارهم بوجود أشخاص يتحدرون من دول عربية ويزعجوهم على الهاتف، مما يتسبب لإدارة الفنادق التي تنظم المعارض داخلها مشاكل قانونية.ويقول محدثنا في حالة مصادفة اسم عربي أو مغربي بالدول الجرمانية أثناء الاتصالات الهاتفية التي تتم بطريقة تلقائية عبر أجهزة معلوماتية متطورة، يستحسن عدم إطالة الحديث إليه لأن هذه الفئة تعلم بوجود مراكز نداء في المغرب.

أجسادهم في المغرب وأرواحهم في الخارج
بالنظر إلى طول المدة التي يقضيها المستخدمون بمراكز النداء يوميا، أصبح العديد منهم يرددون أغاني ألمانية أمام أجهزة الحواسيب وفي الشوارع والحافلات. الشاب موريس الذي قضى حوالي سنة ونصف بمركز نداء بالعاصمة الرباط، أصبح يتحدث مع أفراد عائلته بتعابير ألمانية تظل عالقة بمخيلته، «استعمل كلمات باللغة الألمانية مع أصدقائي لأنني تعودت يوميا الحديث باللغة الألمانية في المركز الذي اشتغل به»، يقول الشاب الذي يشعر أن جسده فقط يظل في المغرب، فيما عقله و»روحه» في ألمانيا.

نهاية عمل شاق في ألمانيا
مع قرب الانتهاء من يوم عمل شاق بمراكز النداء، أقنع خلالها موريس حوالي 16 ألمانيا بزيارة المعرض الذي تشرف عليه الشركة التي يشتغل بها. وبحلول الثالثة زوالا، انتقل على وجه السرعة، في غضون دقيقتين عن طريق نظام معلوماتي متطور إلى مدينة لوزارن السويسرية، ليستكمل رحلة بحثه عن زبناء جدد يستطيع إقناعهم بطرقه الخاصة في زيارة المعرض، انطلاقا من الرباط.
وبعد الانتهاء من يوم عمل شاق داخل سويسرا وألمانيا، عاد هذا الشاب المغربي إلى حي يعقوب المنصور بالرباط لقضاء ما تبقى من اليوم مع أصدقائه. وهو حي يختلف كثيرا عن الأحياء التي مر منها موريس ابن مدينة الرباط  في مركز النداء.

عبد الحليم العريبي (الرباط)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق