يستنزفون مياه 30 واديا ويستغلون سدودا لسقي "العشبة" نضبت مياه أودية إقليم شفشاون الذي طالما اشتهر بقمم جباله، والتساقطات الثلجية والمطرية الغزيرة... مفارقة في إقليم يعاني الفيضانات شتاء، و"تختفي" مياه أوديته وتجف عيونه، فيبدو مثل صحراء قاحلة يقاسي سكانها وقطعان ماشيتهم من الجفاف، حتى أن بعضهم يقطع عشرات الكيلومترات بحثا عن قطرة ماء تنقذ حياة أطفالهم. حرص مرافق "الصباح"، أحد سكان إقليم شفشاون، في جولة بعدة دواوير وقرى تتوسط قمم جبال الريف على إخفاء امتعاضه، فتسويق صورة شفشاون السياحية لا علاقة له بالواقع، والمدينة التي تستقبل سياحا أياما قصيرة، في غياب مندوبية للسياحة، تظل طيلة السنة تعاني خصاصا مهولا في البنيات التحتية، فإذا لدغت عقرب شخصا، يُحمل في اتجاه مستشفى تطوان، مادام مستشفى المدينة عاجز عن علاج المرضى. يتحدى السائقون منعرجات للوصول إلى الجماعات القروية، كل يوم، فالطريق، رغم خطورتها، إلا أنها تكشف عن تناقضات الإقليم، فهي تطل على البحر الأبيض المتوسط بشواطئ مهجورة، بُذلت مجهودات لإعادة تأهيلها، وفي الجهة المقابلة هناك جبال شاهقة، أحيانا تتساقط أحجارها فتلجأ السلطات بالإقليم إلى ترميمها حفاظا على حياة السائقين. مشاهد خلابة لا يكدر صفو جمالها إلا وجود أودية بدون مياه، وتلك قصة طويلة تكشف تداخل غرابة "التقسيم" المائي، وجهل بعض المسؤولين للطبيعة الجيولوجية بالمنطقة، وتسويف آخرين، وإصرار "وزارة الماء" على التشبث بالإحصائيات والأرقام فقط. يروي السكان، في لقائهم مع "الصباح"، حكايات عن أسباب نضوب مياه الأودية، لكنهم يصمتون حين الحديث عن المنتوج الأول بالمنطقة. فما هي أسباب جفاف الأودية والعيون المائية من المنطقة؟ رحلة عطش بين الأودية يحكي مرافق "الصباح" أن إقليم شفشاون هو الوحيد الذي تتداخل فيه وكالتان للأحواض المائية (لوكوس وسبو)، فإذا رغب سكان دواوير "بني صالح"، و"فيفي"، و"بني ثغلون"، مثلا، في الحصول على رخصة حفر بئر أو إنجاز مشروع مائي يتوجب عليهم الحصول على رخصتين من حوضي اللوكوس وسبو، ما يدفع أغلبهم إلى العزوف عن إنجاز المشاريع. بعد وصول السيارة إلى جماعة "واد لاو" تبدأ رحلة الأودية الجافة، فسواء بالطريق الساحلية الرابطة بين تطوان والحسيمة عن طريق الجبهة، أو طريق شفشاون باب تازة، يلاحظ الزائر هول المستقبل الغامض للسكان نتيجة غياب الماء، والانتشار المكثف لزراعة القنب الهندي. أحصت "الصباح" في رحلة دامت يومين، في الطريق الساحلية تطوان الحسيمة، أزيد من 16 واديا لا أثر فيها للماء، فأودية "الجبهة"، "أورينكا"، و"المالح"، و"أمتار"، و"تزمورت"، و"إبرورن"، و"البلاغ"، و"تانسيفت"، و"تيسيفة"، و"قاع أسراس" و"تارغة"، و"القنار"، و"بو أحمد"، و"سيدي يحيى أعراب" و"جنانيين"... أودية مهجورة امتلأت بالنفايات واحتلتها زراعة القنب الهندي. أما في الطريق إلى باب تازة، فهناك أودية "أمطراس"، و"زودور"، و"زوديار"، و"بوعيش"، و"بوغيت"، و"زينوس"، و"ذينون"، و"المالحة"، و"بني أحمد"، و"الزاوية".... وأودية أخرى يصعب لفظ اسمها، لكن مجرد النظر إليها يدمي القلب على وضعيتها المأساوية. لكن ما الذي يجعل كل هذه الأودية تجف في وقت واحد؟ إحصاء بسيط يحيل إلى وجود أزيد من 30 واديا نضب ماؤها، علما أنها تعتبر مزودا رئيسيا لأنهر كبرى أو سدودا، فبعضها يزود نهر سبو، وأخرى تتجه مياهها إلى سد الوحدة، بالمقابل لا يتوفر الإقليم على سد تلي واحد؟ فهل أصابت شفشاون لعنة الجفاف؟ يبتسم مرافق "الصباح"، ثم سرعان ما يلتقي شبابا عادوا إلى مسقط رأسهم في قرية نائية، فحكى أحدهم عن معاناتهم مع العطش، قائلا:" كلما قصدت مسقط رأسي أعدت شريط الاحتجاجات بسبب أزمة العطش الذي يهدد الآلاف من السكان، في وقت اختارت فيه السلطات المحلية إلقاء اللوم على المسؤولين الحكوميين"، مشيرا إلى أنه مازال يتذكر قصة عطش أفراد أسرته، مقابل معاينته أنابيب ضخمة مربوطة إلى مضخات تستنزف المياه الجوفية ومياه العيون الطبيعية والوديان والبحيرات، وآلاف الأسماك من مختلف الأنواع نافقة. وأشار المتحدث نفسه بيده إلى مضخات مائية قال إنها مستوردة من إسبانيا، وتعمل بمحركات قوية يمكنها امتصاص كميات كبيرة من المياه، ما ينعكس على البيئة في المنطقة، ويتسبب في إفساد النبات ونفوق الحيوان على حد سواء. ويؤكد المتحدث ذاته ّأنه:"لا يمكن لأي جهة أن تحجب حقيقة استنزاف المياه بمختلف غابات ومناطق الإقليم، ما يؤدي إلى نفوق الحيوانات وموت النباتات، وعطش في مجموعة من الدواوير، إضافة إلى التجارة في هذه المياه من قبل أباطرة الكيف والمخدرات". الذهب الأخضر... عدو المياه اختار مرافق "الصباح" أولى خيوط الصباح من أجل التوجه إلى طريق رئيسية، من أجل كشف أحد أسباب نضوب مياه الأودية، ثم ترجل في إحدى القرى التي بدت مهجورة، فالقرية حسب قوله، يشعر سكانها بالألم ويفكر شبابها في الهجرة. قصص سكان القرية مع العطش مؤثرة فعلا، فقد عمد بعض فلاحي القنب الهندي، كما عاينت "الصباح" حفر ثقوب مائية، فتنافسوا في جلب يد عاملة متخصصة أغلبها من سوريا وورزازات، حتى بدت جل المناطق، مثل ورش كبير من كثرة الحفر وتلال الأتربة المتراكمة، دون حصولهم على الرخص القانونية، ومنها رخصة الحوض المائي، فوصل عدد الثقوب المائية بالمنطقة إلى حوالي 50 ثقبا بعمق 120 مترا. وأدت عمليات سرقة أباطرة المخدرات للتيار الكهربائي إلى نتائج خطيرة، إذ غابت الإنارة عن دواوير بأكملها، واضطر سكان دوار "بوخالد"، في وقت سابق، إلى العيش على ضوء الشموع. حملات لاجتثاث النبتة أمام الانتشار الكثيف لزراعة القنب الهندي بادرت السلطات المحلية، أكثر من مرة، إلى شن حملات تطهيرية لاجتتاث نبتة القنب الهندي من مناطق عديدة، وتمكنت هذه الحملات من تقليص المساحات المزروعة، لكن لفترة وجيزة، إذ سرعان ما عاد هذا النشاط إلى الانتشار، بعدما أصبح الأباطرة يشيدون سدودا تلية، ويمدون قنوات مائية، و"يستولون" على مياه الآبار بالاستعانة بمضخات كهربائية. أقبل سكان المنطقة على التعاطي لزراعة القنب الهندي، خاصة أن النشاطات الفلاحية الأخرى لا تكفي سوى لسد الاحتياجات الغذائية للسكان، أي زراعة معيشية، ما يدفع السكان إلى ممارسة أنشطة أخرى للحصول على مداخيل إضافية من أجل تغطية نفقاتهم الأخرى. وهكذا بدأ السكان يزرعون القنب الهندي بالمساحات الخلفية المجاورة لمساكنهم، قبل أن تنتشر هذه الزراعة لتصبح النشاط الرئيسي للسكان، وتشمل مختلف المساحات الزراعية. وتنتشر هذه الزراعة على جنبات الطريق في الشريط المحاذي للأودية، وذلك لضمان سقي المحصول، علما أن المزارعين الآخرين لا يترددون في استعمال قنوات الماء الصالح للشرب للري. وحسب أحد المزارعين، فإن المساحات المزروعة تنقسم، على غرار المناطق الفلاحية الأخرى، إلى مناطق سقوية تستخدم مياه النهر أو المياه الجوفية أو حتى مياه المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، وأخرى بورية وهي الأراضي التي توجد بعيدة عن مصادر المياه، غير أن أصحابها لجؤوا إلى حفر الآبار من أجل تأمين الماء لمحاصيلهم، خاصة خلال الفترات التي تقل فيها التساقطات، علما أن هناك العديد من الآبار التي يتم حفرها دون التوفر على رخص. ولم يعد المزارعون يكتفون بالبذور المحلية، بل أدخلت أصناف جديدة من البذور التي تضمن مردودية أكبر، مثل صنف "خردالة"، التي تضمن مردودية أكبر من البذور المحلية، لكن الجميع يحملها مسؤولية "استهلاك" كمية كبيرة من الماء، علما أن سعرها يزيد عن البذور العادية بأزيد من الضعفين، وذلك بالنظر إلى أن كمية الشيرا "الحشيش" المستخرجة تكون أعلى من كمية نبتة البذور العادية، فقنطار القنب الهندي من أصل بذور "خردالة" يستخلص منه ما بين 4 كيلوغرامات و5 من "الحشيش"، في حين أن البذور العادية يتراوح إنتاجها بين كيلوغرامين و3 كيلوغرامات. وتتراوح مداخيل المزارعين، خلافا لما يعتقد البعض، ما بين 30 ألف درهم و50 ألفا، في حين أن الوسطاء هم الذين يستفيدون من النسبة الكبرى من المداخيل، بالنظر إلى أنهم يتوفرون على الإمكانيات اللوجيستيكية وشبكات العلاقات التي تمكنهم من نقل المنتوج إلى خارج مناطق الإنتاج، إذ كلما كانت المسافة أبعد يسوق المنتوج بسعر أعلى، ما يجعل هامش الربح أكبر، وتتضاعف الأرباح بالنسبة إلى الشبكات ذات الارتباط الدولي، التي تصدر الحشيش إلى الخارج. دفعت الاتهامات بتجفيف أباطرة المخدرات منابع المياه من أجل سقي المساحات الشاسعة من نبتة الكيف وزارة الداخلية إلى فتح تحقيق، فأسماء البارونات يتداولها السكان، كما يعاينون تحول مسارات بعض الينابيع عبر قنوات مخفية بعناية تحت الأرض، علما أن مصالح الداخلية تحركت بشكل مكثف، منذ بداية "حراك العطش" في شفشاون من أجل تحديد المسؤوليات في قطع مياه الينابيع عن السكان. أحلام بناء السدود أدت الحاجة إلى الماء، مع البذور الجديدة لنبتة الكيف، بأباطرة المخدرات إلى بناء صهاريج عملاقة، وطبعا تحت أعين السلطات وبدون الحصول على الرخص، وهي صهاريج تستعمل المضخات الكهربائية، إذ يلجأ مالكوها إلى سرقة التيار الكهربائي من الأعمدة الكهربائية من أجل الحصول على توتر عال يصل إلى 380 فولت، في غفلة من المكتب الوطني للكهرباء، فعدة جماعات بالمنطقة حطمت أرقاما قياسية في عدد المخالفات على الصعيد الوطني. ويحكي سعيد ادكوج، مستشار جماعي، عن الأمل المعقود على تشييد عدد من السدود بالمنطقة، لإنهاء أزمة العطش، واستغلال تساقط المياه الغزيرة في فصل الشتاء، إلا أن هذا الأمل يختفي كل سنة، فسد "مولاي بوشتى" لم يدشن بعد، وسد "نخلة" بضواحي تطوان يفتقر إلى الصيانة لتكلفتها المالية المرتفعة، وسد "واد مرتيل" تأخرت الأشغال به بسبب الدراسات الجيولوجية. وكشف عن عدم استغلال مياه العيون المائية، إلا أنه استدرك قائلا:" إن منطقة "القنار" تحتوي على أكبر فرشة مائية، بعدما اكتشفها مهندسون يابانيون، ما أدى إلى عقد اتفاقية بتمويل من وكالة التعاون الدولي الياباني ووزارة الداخلية والجماعات المستفيدة ستمكن سبع جماعات في دائرة بوحمد من التوفر على الماء، وهو مشروع يوجد في مراحل متقدمة للانتهاء منه"، مشيرا إلى أن عامل الإقليم "بذل مجهودا كبيرا لإنجاز المشروع ومواكبته". زراعات بديلة أوضح إسماعيل البقالي (برلماني المنطقة) أن الحديث عن تأثير زراعة القنب الهندي على استغلال المياه يحتاج إلى دراسة دقيقة، وقال:"بصفتي أحد أبناء المنطقة أعتقد أن فلاحين مغتصبين في حياتهم، لأن الشخص الذي يولد بالمنطقة يجد أمامه، فقط، تلك الزراعة مما يؤدي إلى اضطهاده نفسيا واجتماعيا وتهميشه، فأغلبية السكان يعيشون فقرا مدقعا في الأكواخ، مقابل أقلية تستفيد من عائدات الحشيش وتستقر في مناطق أخرى بعيدا عن شفشاون". وذكر المتحدث نفسه أنه في السنين الأخيرة انتشرت أخبار عن بذور دخيلة للكيف، ومسؤوليتها عن استنزاف الثروة المائية، مستدركا، بخصوص وجود أحواض مائية في ملكية بعض المزارعين، فقد اعتبرها حالة صحية لأنها شيدت فوق أراض فلاحية، مما سيؤهل الأرض فلاحيا، في حالة تعويض الدولة زراعة القنب الهندي بزراعة أخرى تضمن كرامة الفلاح، وسيجد أرضا تتوفر على حوض مائي، ما يشجعه على استغلالها في زراعة بديلة"، مشيرا إلى أن أغلبية مياه تلك الأحواض ناتجة عن تجميع مياه الأمطار في فصل الشتاء، وتخزينها قبل استغلالها، ناهيك أن المستغل للحوض يستعمل المياه بطريقة مقننة ويتفادى هدرها". ولم يفت البرلماني التأكيد أن بناء هذه الأحواض المائية يُساهم في توفير المياه بطريقة جديدة، ففلاحو المنطقة قادرون على مواكبة زراعات بديلة عن القنب الهندي، علما أن الفرصة مواتية لإحداث تعاون بين فلاحي المنطقة والحكومة من أجل التخلص من زراعة القنب الهندي، علما أن مدخولها المالي، وعكس ما يشاع، ضعيف جدا يكفي لسد لقمة العيش، فقط. انجاز: خالد العطاوي