fbpx
مجتمع

البيضاء صبيحة عيد الأضحى… “باطوار” بحجم مدينة

الدخان يتصاعد من المنازل ورائحة “بولفاف” والرؤوس “المشوطة” تعم الشوارع المقفرة

المكان: الدار البيضاء. الزمان: صبيحة عيد الأضحى المبارك. سكون عميق يلف أحياء العاصمة الاقتصادية وكأن طاعونا عم المدينة وهجّر أهلها من منازلهم. الأزقة والشوارع خالية من المارة، اللهم عينة خاصة جدا منهم، تتنقل جماعات هنا وهناك، حاملة “شواقيرها” وسكاكينها المشحوذة، والدماء تقطر من ملابسها البيضاء المتسخة. إنهم “الكزارة” الذين أصبحوا عملة نادرة في ذلك الصباح، بعد أن ازداد الطلب على خدماتهم “الجليلة” بمناسبة عيد “الحولي”.
ويبدو أن عيد الأضحى، مثلما أصبح يثقل كاهل بعض العائلات والأسر ذوات الدخل المحدود التي تبذل الغالي والنفيس في سبيل الكبش الأقرن الأملح، تحول إلى مناسبة بالنسبة إلى البعض الذي صار، بين عشية وضحاها، يحترف مهنة الجزارة، ويجني منها مبلغا ليس هينا، ما دام سعر ذبح الخروف الواحد يصل إلى 300 درهم أحيانا، حسب حجم الأضحية. “ولاد الدرب” أيضا، وجدوها فرصة سانحة أيضا من أجل تدبير مبلغ مالي لا بأس به، من خلال تقديم خدمة أخرى، لا تقل أهمية و”جلالا” عن

الذبح والسلخ، ويتعلق الأمر ب”التشواط”، الذي يصل إلى 30 درهما للرأس، حسب الحي، وحسب درجة القرب العائلي من الزبون وعدد الرؤوس محل “التشواط”.

الدماء تحول البيضاء إلى “الدار الحمرا”
صبيحة “العيد الكبير”، تتحول البيضاء إلى دار “حمراء”. أينما وليت وجهك صادفتك الأكباش المعلقة والشحوم المجففة والرؤوس “المشوطة”، حتى لتخال نفسك تتجول في “باطوار” كبير. رائحة اللحم النيئ الطري تعم جميع الأمكنة والدخان يتصاعد من جميع الجهات، وكأن بركانا على وشك إطلاق حممه على المدينة الساكنة. المقاهي والدكاكين والمتاجر أقفلت أبوابها، في ما عدا قلة قليلة جدا منها تكاد تعد على أصابع اليد الواحدة، فتحت أبوابها للسياح وبعض الأجانب من سكان البيضاء، أو من البيضاويين الذين لا تعني طقوس الاحتفال بعيد الأضحى بالنسبة إليهم شيئا. أغلب تلك المقاهي تقع نواحي شاطئ عيد الذياب أو في بعض أحياء “الفيلات” بمنطقة الوازيس، ومنها مطاعم “ماكدونالد” التي تظل الملجأ الوحيد للأجانب أو لبعض النباتيين أو من يعاف أكل لحم الخروف، من أجل تناول وجبة غذاء عادية، لا علاقة لها ب”بولفاف” أو “التقلية” أو “لحم الراس”.
عبد الكريم، التقته “الصباح” صباح العيد بمقهى “كاليبسو” يشرب قهوته ويمارس طقوسه اليومية العادية، سألناه ماذا يمثل عيد الأضحى بالنسبة إليه، فأجاب بكل ثقة: “أعرف جيدا الحمولة الدينية لهذا العيد، والتي لا علاقة لها من قريب أو بعيد بما يمارسه المغاربة من طقوس خلال هذه المناسبة التي تتحول إلى احتفال باللحم أكثر منها تخليدا لقصة النبي إبراهيم وابنه إسماعيل. لا أحد من أفراد عائلتي يأكل لحم الغنم، لذلك لا نشتري الخروف. نصدق ماله على بعض المحتاجين ونكتفي ب”باربيكيو” بلحم البقر، مثلما قد نفعل في سائر الأيام العادية”. سألناه لم لا يسافر في عطلة مثلما يفعل العديدون، فأجاب “أعشق الدار البيضاء خلال العيد، لأنها تخلو من كل المتطفلين عليها، لذلك أفضل الاستمتاع ببضعة أيام من الراحة والهدوء داخل مدينتي قبل أن يعود إليها المهاجرون مرة أخرى ويعكرون علينا صفو العيش”.

“نايضة” في الأحياء الشعبية وهدوء مريب في أحياء الفيلات
تختلف أجواء عيد الأضحى بالدار البيضاء من حي إلى آخر. أحياء المدينة القديمة مثلا “نايضة”، مثلها مثل باقي الأحياء الشعبية الأخرى كدرب السلطان أو الحي المحمدي…العائلات تمارس “ذبحا جماعيا” فوق السطوح أو في بهو المنزل أو في ساحة أو “وسعة” داخل الحي نفسه، مخصصة لهذا الغرض. الجميع مجندون خلال هذا اليوم أطفالا وشيوخا ونساء، كل حسب المهمة الموكولة إليه في إطار الاحتفاء ب”الحولي”. يصبح الجيران حينها وكأنهم عائلة كبيرة ممتدة. تختفي النزاعات والخلافات السابقة وقد تؤجل إلى ما بعد العيد. أحياء أخرى، مثل حي بوركون مثلا، ظل سكانه، رغم إقاماتهم السكنية الراقية، محافظين على طقوس “العيد الكبير” كما كانت عليه في السابق، مثلهم في ذلك مثل باقي سكان الحي الذين يقطنون في منازل قديمة عادية. أما أحياء وسط المدينة، التي كانت تعج قبل العيد بالمارة والبائعين ومطاعم الوجبات السريعة والحانات، فأصبحت قفراء لا تكاد تجد أثرا للحياة فيها، لولا بعض الصيحات بين الفينة والأخرى، لباحثين عن “البطانات”، يتجولون في شوارعها لجمع جلود الأكباش المصوفة النتنة، قبل أن يحولوها إلى “هياضر” دافئة تزين البيت وتقي من برد الشتاء القارس، وتستعمل ديكورا أو سجادات للصلاة.أما بالنسبة إلى أحياء “الفيلات” (في آنفا العليا مثلا أو الوازيس حيث تجولت “الصباح” خلال العيد)، فيكاد يخيل إليك أنها مهجورة تماما. هناك لا أثر للعيد بتاتا. لا رؤوس “مشوطة” ولا أدخنة أو رائحة شواء أو ما شابه. الأرصفة نظيفة خالية من الدماء. صمت قاتل وهدوء مريب يشعرك وكأنك في مدينة أخرى لها علاقة بالسويد مثلا، وليست “كازا نيغرا”.

“شهوة الغنمي” تعمي الأبصار عن النظافة
في الوقت الذي تتخفف فيه البيضاء من فوضاها اليومية وزحامها المريع خلال عيد الأضحى، يزداد تلوثها بهذه المناسبة، رغم أنه، سنة عن سنة، بدأت شركات النظافة تحرص أكثر فأكثر على جمع الأزبال والأعلاف والبقايا حفاظا على ما تبقى من جمالية للمدينة. غير أن الأمر لا يسلم رغم ذلك من ممارسات متخلفة لأشخاص أعمتهم “شهوة الغنمي” عن التقيد بأبسط سلوكات الإنسان المؤدب المتحضر. في بعض الأحياء السكنية، يقززك مشهد المياه الملوثة بدماء الذبيحة “تشرشر” من على “بلكونات” بعض الشقق، راسمة على الجدران البيضاء، خطوطا حمراء قانية، وعلى الأرضية بركة من الدم الأحمر الداكن المخلوط ببقايا “الكرشة” و”الدوارة”، في منظر مثير للغثيان. غير بعيد عنها، قد تجد مزبلة كبيرة من الأعلاف والروث و”البطاين” الملقاة على الأرض ورائحتها الكريهة تعم المكان، لا تعلو عليها سوى رائحة الشواء. قرون الأكباش ورماد “التشواط” في أزقة أخرى، تمنحك إحساسا بأنك تتجول في زريبة وليس في حي سكني محترم.

البيضاويون عشية العيد… كائنات “مضبعة”
يتحول البيضاويون، (وأظنهم في ذلك مثل سائر المغاربة)، بعد قطبان “بولفاف” والتقلية، وقيلولة استثنائية ذات طعم خاص في العيد، إلى كائنات “مضبعة” (من مخ الضبع)، يسيرون في الطرقات، وكأن بهم مسا، ويقودون سياراتهم كما لو أنهم سكارى.  عشية العيد، دبت الحياة شيئا ما في بعض مرافق المدينة. بعض مقاهي الشيشة فتحت أبوابها وامتلأت عن آخرها بعشاق النرجيلة. ورغم قطرات المطر التي أنعمت بها علينا السماء، خرج بعض البيضاويين إلى “الكورنيش” يتجولون رفقة أطفالهم يتناولون “الآيس كريم” والفشار. بائعات “البابوش” راجت تجارتهن في ذلك المساء بعد أن اصطفت السيارات أمامهن طلبا لبعض “البلول” الذي قد يخفف عنهم شيئا من أوجاع البطن. بعض الملاهي الليلية أيضا، قدمت بمناسبة العيد برنامجا فنيا خاصا لزبنائها من محبي الفن الشعبي و”الركزة” التي قد تساعد على الهضم أيضا. آخرون، فضلوا المكوث في البيت، فيلما وراء فيلم، و”شهيوة” وراء الأخرى. لا شيء يضاهي متعة العيد واستقبال الأحباب والأصحاب محملين ب”كتوفهم” و”جيغواتهم” على سبيل “التذويقة”.الليل يلقي سدوله، خمدت الحركة مرة أخرى، إنه الشوط الأخير من هذه الليلة المباركة، وبعدها يأتي فجر يوم جديد من أيام العيد التي لا تنتهي إلا بعد الإجهاز على الخروف بأكمله والانتقال إلى ما بعده، في انتظار الأضحى المقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى