غياب إجراءات المعاينة والحجز والتفتيش يفقد المؤسسة دورها طالما أثارت مؤسسة قاضي التحقيق جدلا بين الحقوقيين، فهي الأكثر إثارة للنقاش في الجسم القضائي، مادامت صورة قاضي التحقيق تجمع التناقضات، إذ أنه يمثل الرجل القوي في القضاء، فهو الضامن للحريات الفردية، ويملأ السجون بموقوفين لم تجر بعد محاكمتهم. إنها خلاصة مؤسسة تثير حولها زوبعة من التساؤولات، سيما بالنسبة إلى قاضي التحقيق بالمحاكم الابتدائية، فالمادة 52 من قانون المسطرة الجنائية نصت على تعيين «القضاة المكلفين بالتحقيق في المحاكم الابتدائية من بين قضاة الحكم فيها لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد بقرار لوزير العدل بناء على اقتراح من رئيس المحكمة الابتدائية. ويمارس قاضي التحقيق سلطات متعددة ومتنوعة، وخطيرة لما يترتب عليها من آثار على الحريات الفردية، من أهمها سماع المتهم والشهود، وإخضاعهم إلى إجراءات وشكليات خاصة. لقد أوكل القانون لقاضي التحقيق إجراءات بدونها تبقى تحقيقاته حبرا على ورق، ومن أهمها التنقل والتفتيش والحجز، علما أن مجال عمل قاضي التحقيق لا يقتصر على التحقيق فيما تنقله محاضر الضابطة القضائية، بل إن ميدانه، حسب الباحثين، أوسع من مكتبه ومهمته أكبر من التحقيق الابتدائي، إذ يُفترض فيه الانتقال إلى الميدان لإجراء معاينات مادية أو للقيام بعمليات التفتيش أو الحجز التي يراها مفيدة لإظهار الحقيقة، وخص المشرع لموضوع التنقل والتفتيش والحجز المواد من 99 إلى 107 من الباب الرابع المشار إليه في القسم الثالث المتعلق بالتحقيق الإعدادي من الكتاب الأول تحت عنوان «التحري عن الجرائم و معاينتها». من سلطات قاضي التحقيق المعاينة، فهي وسيلة يتمكن بواسطتها من الإدراك المباشر للجريمة ومرتكبها. إنها إجراءات تجعل قاضي التحقيق بالمحكمة الابتدائية يملك سلطات حقيقية من أجل الوصول إلى الحقيقة، إلا أن تجربة كشفت اعتمادهم فقط على محاضر الشرطة التي لها القوة الثبوتية، ولا يمكن الطعن فيها إلا بالزور، وبالتالي فعمل قاضي التحقيق يصبح تكرارا لما قامت به الشرطة القضائية، وقلما تضاف دلائل جديدة. وتوفر إجراءات التفتيش والحجز والمعاينة لمؤسسة قاضي التحقيق ضمانات قانونية للمتهم والمجتمع على حد سواء، مما يعين على الوصول إلى الحقيقة في مجال لا يخلو من التعقيد، سيما حين يقترن بحرية الإثبات والقناعة الوجدانية للقاضي الجنائي... فهل يتحول قاضي التحقيق بالمحاكم الابتدائية إلى مقبرة للملفات؟ أم أن التجربة كشفت محدودية اختصاصاته؟ خالد العطاوي