إشكالات حقيقية تعتري التطبيق السليم للأمن القضائي شكلت الورشة الأولى من أشغال المؤتمر الثاني لرؤساء المحاكم العليا العربية، فرصة لمناقشة مفهوم الأمن القانوني وعلاقته بالأمن القضائي، واتفق المتدخلون على أن فكرة الأمن القانوني فكرة فضفاضة يصعب حصرها وتحديدها لسعة المجالات التي تتعلق بها. وتختلف من مجتمع إلى آخر ومن بيئة إلى أخرى ومن عصر إلى آخر. الأمن القانوني في الاجتهاد القضائي الأردني التجربة القضائية الأردنية في ورشة الأمن القضائي، تناولت الحديث عن المعنى الواسع للقانون واعتبر راتب الوزني، رئيس محكمة التمييز ورئيس المجلس القضائي بالمملكة الأردنية الهاشمية، أن القانون بمعناه الواسع هو مجموعة من القواعد القانونية وهو الناظم لحياة الأفراد والجماعات، فهو الذي ينظم سلوكاتهم وتصرفاتهم ويضبط علاقاتهم في مختلف المجالات، ويحدد مراكزهم وأوضاعهم القانونية في ممارستهم لنشاطاتهم الحياتية العملية في كل المجالات بمختلف أشكالها وأنواعها سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، خاصة في عصر المجتمعات السياسية المنظمة والدولة فيها «دولة قانون» تقوم على مبدأ سيادة القانون بحيث أصبح القانون محور حياة الإنسان وهو الأساس فيها، وأضاف في مداخلته أنه إذا كان مبتغى الإنسان في حياته الأمن والأمان والطمأنينة والاستقرار في كل مجالات حياته ونشاطاته العملية، فإن خير أمن يبتغيه ويريده هو الأمن القانوني الذي يحقق له الأمن بمعناه الواسع المحيط بتلك المجالات الحياتية والشامل لكل أشكال الأمن الذي لم يعد قاصراً على مطلب الأمن من العنف والإرهاب وإنما امتد إلى غير ذلك من مناحي الحياة ومجالاتها الاقتصادية والفكرية والأسرية والبيئية والوظيفية والعلمية والغذائية والعسكرية والسياسية والمعلوماتية، فالغرض من القانون والغاية من وجوده هو تحقيق الأمن والأمان. وربط توفر ذلك بأن يكون القانون بذاته، آمن ومصدر أمن وأمان واطمئنان وليس مصدر قلق ومفاجآت، ومن هنا حسبه برزت فكرة «الأمن القانوني» وفكـرة «الأمن القضائي»، على اعتبار أن القضاء صاحب الولاية على صحة وسلامة تطبيق القانون.تحولات الاجتهاد ومتطلبات ضمان الأمن القضائيأما في ما يخص التجربة القضائية المغربية، فقد اعتبر محمد المجدوبي الإدريسي رئيس غرفة بمحكمة النقض، أن هناك جدلا فقهيا قائما منذ القديم بخصوص ما إذا كان الاجتهاد القضائي يعد مصدرا للقاعدة القانونية إلى جانب المصادر الرسمية للقاعدة القانونية كالتشريع والعرف، وإذا كان الأمر غير ذلك هل القاضي من خلال واقعة اجتهاده يخلق قاعدة قانونية ذات اعتبار، يتولى تطبيقها بنفسه في النزاع المعروض عليه؟ وأن مرد الجدل هو تباين مكانة الاجتهاد القضائي في الأنظمة القانونية والقضائية المختلفة، ففي الأنظمة التي يسمح فيها للقاضي بوضع قواعد قانونية لها صبغة الإلزام باعتماد نظام السوابق القضائية كالقانون الإنجليزي يعد الاجتهاد القضائي من المصادر الرسمية للقانون، ويعتبر التشريع مجرد منطلق لتطبيق القاعدة القانونية. أما في الأنظمة التي لا يسمح فيها للقضاء بذلك كالقانون الفرنسي والقانون المغربي وقوانين أغلب الدول العربية فإن الاجتهاد القضائي لا يعد مصدرا رسميا أو شكليا للقاعدة القانونية، وإنما فقط مصدرا واقعيا وتفسيريا للقاعدة القانونية. وأكد الإدريسي أنه يلاحظ أن الدساتير عموما ومنها الدستور المغربي لم توضح بدقة الحدود التي يشتغل فيها القاضي، وهل يمكن له إلى جانب دوره الرئيس المتمثل في تطبيق القاعدة القانونية القيام بخلقها وابتكارها، أم أن تصرفه هذا لا يعدو أن يكون تصرفا مشوبا بتجاوز السلطة. وعلى مستوى المصادر التاريخية فإن مفكري الثورة الفرنسية الذين ألهموا التنظيم الحديث لمؤسسات الدولة، دعوا إلى إلغاء كل دور للاجتهاد القضائي في إنتاج القاعدة القانونية، وبضرورة قصر عمل القاضي على تطبيق مقتضيات التشريع بصورة آلية. جاء في كتاب «روح القوانين» لمونتيسكيو قوله: «إن قضاة الوطن ليسوا سوى الفم الذي ينطق بكلمات التشريع، فهم أشخاص لا يمكنهم التخفيف من قوة أو صرامة القانون»، وقد ذهب روبيسبير أبعد من ذلك بتصريحه في البرلمان سنة 1790 «إن كلمة اجتهاد يجب أن تمحى في لغتنا، ففي دولة لها دستور وتشريع فإن اجتهاد المحاكم ما هو إلا قانون».وقد كان الفقه الدستوري في ذلك الوقت بالرغم من اعترافه بوجود ثلاث سلط في الدولة منها السلطة القضائية، إلا أنه كان يرى أنه وظيفيا هناك فقط وظيفتان هما، الوظيفة التشريعية والوظيفة التنفيذية.فالسلطة القضائية مجسدة في المحاكم تكتفي بتطبيق القوانين، ويمنع عليها منعا تاما ممارسة أي دور في التقنين أو التدخل في عمل السلطة التشريعية أو إيقاف تنفيذ القوانين.رؤى خاطفة من المرجعية الإسلامية اختارت السودان في مناقشتها للأمن القضائي أن تؤثث مداخلتها برؤى سواء من المرجعية الإسلامية أو القضاء السوداني للصياغة التشريعية التي ليست مجرد فن، بل إنها حسب محمد عبدالرحمان الشرفي ، رئيس القضاء ورئيس المحكمة العليا ورئيس المفوضية القومية للخدمة القضائية بجمهورية السودان، علم قانوني أصيل تضبطه قواعد ومبادئ عدلية يلزم إتباعها، ففي مبناها، يلزم الوضوح وعدم الإبهام، بما يتسنى معه لكل فرد في المجتمع إدراك معانيه، فالتشريع إنما يصاغ لضبط حركة المجتمع وتصرفات أفراده. أما في معناه فيلزم مراعاة ما يفضي إلى استقرار التعاملات، فلا أثر رجعي للتشريع، ولا مؤاخذة بجريرة لا نص على تجريمها وعلى عقابها.واعتبر الشرفي أن الإحسان هو روح العدل، تماماً كما أن الخشوع هو روح الصلاة، ويتحقق إحسان العدل بالتزام معايير العدالة في المحاكمة بتحقيق المساواة بين المتخاصمين أمام القضاء بعلنية المحاكمات، وبمجابهة الخصوم بدفوع بعضهم وبدفاعهم وبأدلتهم وبإتاحة الفرصة كاملة للدفاع. وأن المعايير عديدة من بينها إلزام القاضي مزاوجة إحسان العدل بالرحمة، فلا غلظة ولا تعنت ولا تعسف ولا شطط، على اعتبار أن إنفاذ الأحكام يقتضي صون الكرامة الإنسانية لا إهدارها، وصون الخصوصيات، وبهذين المرتكزين معاً، يتحقق الأمن القضائي. وتناول بالحديث نماذج من القضاء السوداني في ترسيخ دعائم الأمن القضائي بمعناه الشمولي، منها على سبيل ما قضت به المحكمة العليا السودانية الدائرة الدستورية في قضية «التجاني الطيب بابكر ضد حكومة السودان إذ انصب الطعن الدستوري على المطالبة بإبطال قرار رئيس الجمهورية الصادر بتشكيل محكمة أمن الدولة وبإبطال لائحتها التنظيمية، إذ كان القرار الرئاسي صدر بتشكيل تلك المحكمة لمحاكمة الطاعن «التجاني الطيب»، وقد تأسس الطعن الدستوري على أن تشكيل تلك المحكمة ومحاكمة الطاعن أمامها يعتبر انتهاكاً للحقوق الدستورية المكفولة للمواطن والمتمثلة في الحق في المحاكمة أمام محكمة طبيعية عادلة ونزيهة، وبأن ذلك التشكيل يعتبر انتهاكاً لمبدأ المساواة أمام القضاء، فضلاً عن أنه يعتبر انتقاصاً لولاية القضاء الطبيعي. اجتهاد المجلس الأعلى ... الآليات والتجلياتكانت المداخلة الرابعة في الورشة الأولى تخص الأمن القضائي من خلا ل اجتهاد محكمة النقض المجلس الأعلى، وتناول محمد الخضراوي، قاض بمحكمة النقض تحديد ذلك من خلال التأكيد أن الأمن القضائي، هو الذي يعكس الثقة في المؤسسة القضائية، والاطمئنان إلى ما ينتج عنها، وهي تقوم بمهمتها التقليدية المتجلية في تطبيق أو قول القانون على ما يعرض عليها من قضايا أو ما تجتهد بشأنه من نوازل، هذا مع تحقيق ضمانات جودة أدائها وتسهيل الولوج إليها.هذا الأمن القضائي لا تختص به جهة قضائية معينة وإنما يتعبأ له القضاء بمختلف فروعه سواء كان قضاء عاديا أو متخصصا، بل ويتجاوز حتى حدود القاضي الوطني في بعض الحالات كما هو الشأن مثلا بالنسبة لقضاة المحاكم الأوربية.ومن تم فالأمن القضائي، حسب الخضراوي يجب فهمه من جهتين أنه يعتبر حاجزا وقائيا لفائدة الأشخاص ضد تجاوزات بعضهم البعض من جهة وحائلا دون تجاوز الإدارة ضد هؤلاء من جهة ثانية، كما أنه يشكل حماية للسلطات العمومية ضد الدعاوى التعسفية والكيدية للمتقاضين، فيكون المستفيد من هذا الدور القضائي هو المتقاضي بصفة خاصة والنظام القانوني بصفة عامة، وهو ما سينعكس بشكل إيجابي عل حجم الثقة واستقرار المعاملات والاطمئنان إلى فعالية النصوص القانونية والوثوق بالقانون والقضاء في نهاية المطاف. وأضاف الخضراوي أن القضاة المغاربة أصبحوا مطالبين بالمساهمة في بناء المستقبل من خلال التفاعل الإيجابي والانخراط التام في المشروع الإصلاحي المقدام والجريء الذي وضع أسسه وخارطة طريقه صاحب الجلالة الملك محمد السادس. هذا الانخراط لن يكون إلا بالتفعيل الأمثل لمقتضيات الدستور الجديد، مفخرة الأمة، الذي بعد ما وطد أسس استقلال القضاء واستقلالية القضاة في أبعادهما المختلفة، أوضح بعد ذلك من خلال ترتيب أبوابه وفصوله أن الأمر لا يتعلق بامتياز للسلطة القضائية، وإنما هو حق للمواطن في المقام الأول هدفه الحفاظ على ثقة الأفراد في المؤسسة القضائية. ك.م