إجراءات قانونية لتخفيف العبء على القضاء ناقش المشاركون في المؤتمر الثاني لرؤساء المحاكم العربية، في اليوم الثاني من المؤتمر، الوسائل البديلة لحسم المنازعات كالتحكيم والوساطة، والتي تعد هاجس العالم بأسره لأجل التخفيف من أزمة التقاضي والبطء في معالجة القضايا، خاصة منها التي تكتسي صبغة تجارية، وتعددت التجارب الدول المشاركة التي حاولت شرح الظاهرة من خلال التعامل المحلي. موريتانيا: نظام للمصالحة والوساطة بين المتنازعيناستخدم القانون الموريتاني الوساطة والتحكيم والمصالحة كوسائل تحل بها النزاعات دون اللجوء إلى البت القضائي، متأثرا، في ذلك بتقاليد الفقه الإسلامي وبتراكم تجربة غنية في هذا المجال، إذ لم تكن في موريتانيا دولة مركزية قبل الاستعمار. وأكد ولد الغيلاني، رئيس المحكمة العليا بالجمهورية الإسلامية الموريتانية، أنه بعد استقلال موريتانيا، بادرت الدولة إلى استخدام نظام للمصالحة والوساطة بين المتنازعين في جميع القضايا المدنية، وسمت القائم عليه مصلحا وجعلت الإجراءات أمامه بسيطة، إذ يكفي فيها أمران، أن يقبل الأطراف وساطته بينهما، وأن يتوصل في النهاية إلى صلح.فإذا تكللت جهوده بصلح فإن على المصلح أن يوقع هو والأطراف هذا الصلح ويسجله في سجل مرقم ومختوم ويرفعه إلى رئيس محكمة الدرجة الأولى، ليسجل في سجلات هذه المحكمة ولها أن تأمر بتنفيذه كسند تنفيذي. والمصلح حسب الرئيس ليس موظفا للدولة ولكن الدولة تمنحه علاوة شهرية، ويعين المصلحون من طرف وزير العدل لمدة أربع سنوات، بناء على اقتراح تقدمه لجنة يرأسها رئيس المحكمة الابتدائية، وتضم الحاكم الإداري والعمدة وإمام المسجد الجامع.ويجب أن يكون المصلح عارفا بفقه المعاملات في المذهب المالكي المعمول به في البلد، معروفا في منطقته بالاستقامة حتى تنقاد الناس له وتثق في ما يبادر به من وساطات، ويوجد عدد كبير من المصلحين معينين على عموم التراب الوطني، ولما صدر القانون رقم 012-2007 الذي يتضمن تعديل بعض مواد قانون التنظيم القضائي نص في مادته 58 على أنه "في إطار صلاحياته المتعلقة لمصالحة الأطراف يمكن لرئيس محكمة المقاطعة إقرار الحلول الودية للنزاعات التي تدخل في اختصاصاته والتي يتوصل إليها المصلحون خارج نطاق أي إجراء آخر". واعتبر أن للوسائل البديلة فوائد اقتصادية واجتماعية منها تجنب المتقاضين المصاريف القضائية وتكاليف المحامين وهدر الوقت في انتظار آجال المحاكمات، وتحافظ على العلاقات الحسنة بين رجال الأعمال، كما أن تنفيذ قراراته غالبا ما يتم وديا يريح الطرفين من مصاريف التنفيذ، مع ما توفره هذه الوسائل من سرية تحفظ للمتنازعين خصوصيتهم، أما الفوائد الاجتماعية، فإنه يحافظ على زيادة العلاقات بين الناس ويحافظ على السلم الاجتماعي.مصر: المحكم من رجال القضاء العاملينالتجربة المصرية في استعمال الوسائل البديلة لحل المنازعات، ركزت على الفائدة التي تعود عندما يكون نظام التحكيم وسيلة لحسم المنازعات تحت مظلة السلطة القضائية، وأكد سعيد أحمد شعل، نائب رئيس محكمة النقض المصرية، أنه حتى يكون التحكيم تحت مظلة السلطة القضائية يتعين أن يكون المحكمون أو المحكم من رجال القضاء العاملين وكذلك المتعاقدين، وسيترتب على أن يكون التحكيم تحت مظلة السلطة القضائية فوائد عدة، أهمها أن المحكمين أو المحكم يتصف أي منهم بالحيدة الكاملة وهي من أهم صفات رجل القضاء، الذي تمرس في عمله القضائي على ذلك، وأن أيا من طرفي النزاع ليس له أن يختار المحكمين أو المحكم، وإنما يرجع ذلك إلى مجلس القضاء الأعلى.كما أن إجراءات التحكيم لن تطول لعدم قيام أي من طرفي النزاع بتعيين المحكم الذي يختاره، أو عدم الاختلاف بينهما في اختيار رئيس هيأة التحكيم حالة تعددهم لأن تعيين المحكم أو المحكمين يرجع كما سلف البيان إلى مجلس القضاء الأعلى،إذا تولى التحكيم أحد القضاة العاملين أو المتقاعدين يكون دائما متخصصا في النزاع موضوع التحكيم سواء كان هذا النزاع مدنيا أو تجاريا أو إداريا في حين أنه إذا تولى التحكيم شخص آخر معين من قبل طرفي النزاع قد يكون غير متخصص.ولن يتحمل أي من طرفي النزاع في حالة التحكيم تحت مظلة السلطة القضائية نفقات التحكيم الباهظة، وإنما لن يتحمل أي منهما إلا المصاريف الإدارية ومكافأة المحكم وهي لا تقارن بأتعاب التحكيم العادية التي عادة ما تكون نسبة من قيمة الحق موضوع النزاع.وأضاف أنه في حالة ما إذا تولى التحكيم رجال القضاء على النحو سالف البيان لا يجوز رد المحكم إلا لذات الأسباب التي يرد بها القاضي ويرفع طلب الرد إلى المحكمة المختصة أصلا بنظر الدعوى، كما تنقطع الخصومة أمام المحكم إذا قام سبب من أسباب الانقطاع المقررة في قانون المرافعات الخاص بكل دولة. يلتزم المحكمون بالحكم في المنازعة المعروضة عليهم في الميعاد المعين بوثيقة التحكيم وفي حالة عدم اشتراط ميعاد من عرض النزاع عليهم. وأن حكم المحكمين قابل للتنفيذ الجبري فور صدوره ويذيل بالصيغة التنفيذية، وهو غير قابل للطعن فيه، إلا أنه يجوز لأي طرف في النزاع أن يستشكل فيه أمام قاضي التنفيذ المختص، إذا كان صادرا بغير وثيقة تحكيم أو بناء على وثيقة باطلة، أو كان الحكم خرج عن حدود الوثيقة أو لعيب في الإجراءات.تونس: غياب نظام إجرائي خاص بالتحكيمتناولت تونس في مداخلتها ضمن ورشة الوسائل البديلة لحل المنازعات مسألة تغييب اختيار القاضي المحكم، واعتبر حسين بن سليمة، مستشار لدى محكمة التعقيب بتونس، أن الأطراف يتمتعون بحرية مطلقة في مادة التحكيم التجاري بخصوص تعيين الهيأة التحكيمية سواء كانت تتركب من محكم فرد أو فريق من المحكمين و معيار الاختيار هو شخصية المحكم و كفاءته ونزاهته.و في هذا الإطار اعتبر أحد الفقهاء الفرنسيين، أن شخصية المحكمين المعينين من الأطراف المتنازعة لها أهمية كبيرة ضرورة أنها تمكن من تعيين أشخاص معروفين و مؤهلين لفض النزاعات في ميدان صناعي أو تجاري معين استنادا إلى الأعراف المهنية، إلا انه عند اللجوء إلى الدائرة التجارية في المحكمة الابتدائية يتقيد الأطراف بقواعد الاختصاص الحكمي ولا مجال لمخالفتها لتعلقها بالنظام العام، ولا شك أن الفقرة الحادية عشرة من الفصل 40 من م م م ت تدل على عدم وجود أي خلاف حول قواعد الاختصاص الحكمي باعتبار أن اللجوء إلى التحكيم القضائي يكون بعد تعهد الدائرة التجارية بالنظر في النزاع وتكون تبعا لذلك قد حسمت مسألة الاختصاص قبل الخوض في الأصل. ومع ذلك فإنه بالإمكان بعد نشأة النزاع و قبل القيام أمام القضاء الاتفاق على إسناد الاختصاص لهيأة قضائية يتم اختيارها على أساس معايير شخصية، إلا أن صحة هذا الاتفاق هي رهينة عدم مخالفته لقواعد الاختصاص الحكمي.وبالطبع أن الهدف الأساسي من اللجوء إلى التحكيم القضائي هو ضمان الحقوق وصيانة المصالح من خلال صفات معينة في القاضي المحكم باعتبار أن التحكيم القضائي يخول للأطراف الحصول على حكم عادل دون تكبد أجورهم الباهظة ضرورة أن القاضي المحكم يعمل في مرفق عام و لا يتقاضى أجره من الأطراف وهو واسع المعرفة بالقانون والإجراءات المدنية ما يسهل له مهمته في أن يكون محكما عادلا وضرورة أن تطبيق قواعد العدل والإنصاف يكون رهين التقدير الشخصي للقاضي المحكم. وأضاف القاضي أن المشرع التونسي لم يفرد التحكيم القضائي بنظام إجرائي خاص رغم ما يستدعيه إعمال قواعد العدل والإنصاف من استبعاد للقواعد القانونية، علاوة على أن لجوء الأطراف إلى التحكيم القضائي لحسم نزاعاتهم يدل دلالة قاطعة على رغبتهم في التخلص من القواعد الإجرائية المتسمة بالبطء والتعقيد والتوصل إلى حل النزاع في كنف السرعة والسرية، إلا أن المشرع عندما سكت عن هذه المسألة فذلك يعني تطبيق القواعد الإجرائية المنظمة لسير الدعاوى أمام المحكمة الابتدائية وكذلك لقواعد خاصة بالتحكيم القضائي فيما يتعلق بالحكم الصادر في الدعوى. كريمة مصلي