السجن انحراف وإجرام وليس إصلاحا وتهذيبا مخطئ من يرفع أو يكتب على حائط سجن أو ما زال يؤمن بشعار السجن إصلاح وتهذيب، لأن هناك حالات عديدة ظهر فيها العكس وتبين أن من يدخل السجن لا يخرج منه بشهادة حسن السيرة والسلوك بل ب»دبلوم» في الانحراف، بعد أن يجد التربة الخصبة هناك ويختلط بعتاة المجرمين.الحكايات والروايات متعددة ومحاضر الشرطة مليئة بشهادات لمجرمين تحدثوا من خلالها عن كيفية تلقيهم دروس في الانحراف داخل السجن، وكيف ابتدأ مسارهم بسيطا، غالبا ما يكون نتيجة خطأ، وينتهي بتحولهم إلى مجرمين محترفين.شاب من البيضاء كان ضحية أحد سجون المملكة بعد أن أودع به على إثر سرقة سلسلة ذهبية وخرج منهم بشهادة عليا في الإجرام، حكاية الشاب ابتدأت حينما تهور وفكر في طريقة للحصول على المال للخروج من ضائقة مالية، غير أن محاولته ستنتهي بإيقافه من قبل الشرطة. تلقى الشاب، أول درس في اليوم الأول لدخوله السجن، مفاده أن السجين يجب أن «يلعب مع الكبار»، بمعنى أن تكون «الهمزة» كبيرة حتى لا يجد نفسه مسجونا من أجل بضعة دراهم.أحس السجين بالغبن، وبأن مستقبله ضاع من أجل فعل تافه، وساهم الفراغ داخل السجن، وغياب التأطير، في سقوطه في فخ شبكة كانت تتشكل داخل السجن، فعرض عليه أن يساهم بدور بسيط يتمثل في مراقبة بعض الشركات والمحلات التجارية الكبرى خلال مدة من الزمن قبل تنفيذ عملية السطو عليها.استغل أفراد الشبكة مظهر الشاب الذي لا يوحي بأنه مجرم، وبمجرد أن غادروا المعتقل بدؤوا في تنفيذ ما خططوا له داخله، وتوالت العمليات التي كانت تتم بنجاح قبل أن يسقطوا في قبضة الشرطة.حالة وحيدة من عشرات الحالات التي كان السجن سببا في انحرافها، وهو ما يطرح سؤالا عن مكامن الخلل، وعن السبب الذي يدفع الإدارة إلى وضع سجين مبتدئ مدان من أجل إصدار شيك بدون رصيد أو ضرب وجرح مع آخر ارتكب جريمة قتل أو منتم إلى عصابة سطو منظم؟ وألم تفكر الإدارة في تفريق السجناء بناء على نوع الجرم الذي اقترفوه؟الخلل الأول إذن في هذا الخلط ما بين السجناء، وهو خلط يعطي الفرصة لكبار المجرمين إلى استقطاب المبتدئين إلى صفوفهم، وفق خطة ممنهجة تبدأ بالسخرية منهم من قبل السجناء ومعاتبته على دخول السجن من أجل فعل بسيط كهذا، في حين أن آخرين جنوا أموالا كثيرة من عمليات سرقة كبرى.وتستمر محاولات إقناعه طيلة فترة اعتقاله، ويرفقون ذلك ببعض الإغراءات حتى يتسنى لهم توظيفه في عمليات مستقبلية أو بعد خروجه من السجن، خاصة أن لديه ميزة هامة تتمثل في أنه «وجه غير مألوف» بالنسبة إلى رجال الأمن، وبالتالي يسهل عليه التحرك. الخلل الثاني يتجسد في غياب تأطير داخل السجون، فأغلبية المديرين يختارون عينة للاشتغال عليها وكأنهم في ورشة، عينة تكون واجهة يتم تقديمها خلال زيارة الجمعيات والمسؤولين وبعض المراقبين الدوليين، وما تبقى من سجناء يطولهم التهميش. والخلل الثالث يتمثل في القناعة التي تتشكل عند السجين، والتي مفادها أن الحديث عن إعادة إدماج السجين في المجتمع هي مجرد كلام، ما يدفعه إلى البحث عن سبل بديلة للعيش والتي يكون الإجرام الوسيلة الوحيدة لتحقيقها، وهذه القناعة تترسخ بعد مغادرته السجن، إذ توصد في وجهه جميع الأبواب ويجد نفسه منبوذا من قبل المشغلين والكل يرفض تشغيله بمجرد علمه بسوابقه. هذه بعض نقاط الخلل ودون تقويمها لن يكون السجن إصلاح وتهذيب بالفعل، بل فضاء لصقل مواهب بعض السجناء. الصديق بوكزول