خاصملف الصباح

إصلاح القضاء في زمن الربيع العربي

الهيني: وزارة العدل سبب كل ويلات المس بالحقوق والحريات منذ الاستقلال

قال محمد الهيني إن ثورة الربيع العربي قادت إلى إصلاحات عميقة في الوطن العربي مست جميع المؤسسات، وكان طبيعيا جدا أن هبت نسيم هذا الربيع على المغرب، وإن لم تكن بحجم الثورة، لأنها كانت هادئة استجاب فيها الملك لنداءات الشباب المغربي في حراك 20 فبراير بإصلاح دستوري جسده دستور 2011 من خلال إقرار دستور الحقوق والحريات وتدعيم الخيار الديمقراطي، وترسيخ استقلال السلطة القضائية، والدفع بإدارة مواطنة تحترم الكرامة والحرية والعدالة والمساواة وعدم التمييز.
وحسب الهيني، قاض سابق ومدير المركز الدولي للاستشارات القانونية والسياسية والاقتصادية والاستراتيجية بالقنيطرة، وخبير دولي ومستشار قانوني ودكتور في الحقوق أستاذ زائر بكليات الحقوق، فإن من نتائج الحراك العربي والمغربي على دستور 2011 الإقرار بالقضاء سلطة دستورية مستقلة إلى جانب السلطتين التنفيذية والتشريعية، سلطة تحمي الحقوق والحريات وتصون الأمن القضائي، وتسهر على التطبيق العادل للقانون، وإعادة النظر في تركيبة المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وتخويل رئيس محكمة النقض صفة الرئيس المنتدب، وإشراك ممثلين عن المجتمع المدني في تشكيلته، بالإضافة إلى ممثلي بعض مؤسسات الحكومة مع إخراج وزير العدل منه، إيذانا بنهاية وجود السلطة التنفيذية في جسم القضاء.
وأوضح الهيني أن من نتائج الإصلاح أيضا استقلال النيابة العامة عن وزارة العدل والحريات وتخويل رئاستها للوكيل العام للملك لدى محكمة النقض لتلافي كل أشكال التأثيرات السياسية للسلطة التنفيذية عليها، وحماية فعلية لاستقلال القاضي من خلال تجريم التدخل في استقلال القضاء واعتبار عدم التبليغ عن هذا التدخل مخالفة تأديبية خطيرة، إقرار حرية التعبير للقضاة وحقهم في الانتظام داخل جمعيات مهنية قضائية، مما مكن من بروز نسيج مهني قضائي قوي ومتعدد ساهم في الدفاع عن استقلالية السلطة القضائية في مواجهة جبروت وطغيان وزارة العدل على عهد الوزير المخلوع الرميد.
وذكر الهيني “أن الدستور الجديد نص على تنظيم قواعد سير القضاء وحماية المتقاضين والارتقاء بها إلى مستوى القاعدة الدستورية، ومع كل هذه الإصلاحات الدستورية الكبيرة كان التأويل الدستوري في القوانين التنظيمية لإصلاح العدالة سيئا، إذ أن واقع العدالة من الناحية المؤسساتية سوداوي للغاية بحكم تعثر عملية إصلاحها، فهي لم تستطع الخروج بوصفة متكاملة لسلطة قضائية مستقلة عن السلطة التنفيذية، لأنه إذا استطاع المجلس الأعلى للسلطة القضائية أن يحصل على استقلاله الإداري والمالي في تدبير الوضعية الفردية للقضاة، فإنه لم يمكن بتاتا من سلطة إدارة مرفق القضاء، سيما المحاكم إداريا وماليا التي ستظل خاضعة لوزارة العدل، مما يمكن القول إن الاستقلالية المؤسساتية نسبية، وقد تهدد استقلالية القضاء، لأن الوزارة تستغل الإشراف الإداري والمالي مدخلا للمس بهذه الاستقلالية، وهو ما حذرنا منه، لكن للأسف كانت عقلية تغول السلطة التنفيذية حاضرة في منع بزوغ فجر جديد لاستقلالية مطلقة للسلطة القضائية عن وزارة العدل يمكن من إلغاء هذه الوزارة وسحب اختصاصاتها لفائدة المجلس الأعلى للسلطة القضائية”.
ويمكن القول، حسب الهيني، إنه رغم إقرار المجلس الدستوري أن مبدأ استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، المقرر في الفصل 107 من الدستور، لا يمكن اختزاله في المجلس الأعلى للسلطة القضائية واختصاصاته المحددة في الفصل 113 من الدستور، وأن هذا المبدأ لا يمكن إعماله دون توفر المسؤولين القضائيين على صلاحية الإشراف على المصالح الإدارية للمحاكم، فإن وزارة العدل انقلبت على هذا المبدأ المكرس في قرار المجلس الدستوري في مشروع قانون التنظيم القضائي، وخولت لنفسها صلاحية إدارة المحاكم، مما يبرز حقيقة التغول والالتفاف على قرار نهائي دستوري استغلالا منها لسلطتها في تقديم مشاريع القوانين في هذه المرحلة الانتقالية دون استشارة المجلس الأعلى للقضاء.
وأشار الهيني إلى أن المغرب جرب منذ الاستقلال إلى اليوم دولة وزارة العدل، فكل ويلات المس بالحقوق والحريات كما وثقتها هيأة الإنصاف والمصالحة ترجع إليها لأنها تتدخل في استقلالية القضاء، وجعلت مرفق القضاء رهينة بيدها لخدمة أغراض الدولة وأهدافها في القضاء على خصومها والتنكيل بهم، وإصلاح القضاء وفقا للمنظور الملكي كان هدفه إخراج القضاء من رحم السلطة التنفيدية، ومن استغلال السياسي والحزبي له، وهو ما تعذر الوصول إليه من خلال قوانين السلطة القضائية.
تضاف إلى ذلك إشكالية التكوين المستمر للقضاة، وعدم توفير الوسائل والآليات اللوجستيكية والمالية للمحاكم وهشاشة بعض بناياتها والتي تؤثر على جودة الأداء القضائي كما وكيفا، ناهيك عن الآفات اللاأخلاقية التي تنخر القطاع بحكم ارتفاع معدلات الفساد.
ومما لاشك فيه، يقول الهيني، فإن النهوض بقطاع العدالة يستوجب مخطط حقيقي لإصلاح العدالة يتوافق والتأويل الديمقراطي والحقوقي لدستور 2011، وبما يسهم في تفعيل دور السلطة القضائية في ضمان وحماية حريات المواطنين الفردية والجماعية، وفقا للإرادة الملكية المعبر عنها في خطاب جلالة الملك بتاريخ 30 يوليوز 2011 والذي جاء فيه “إن أي ممارسة أو تأويل مناف لجوهره الديمقراطي يعد خرقا مرفـوضا مخالفا لإرادتنا ملكا وشعبا”، إذ يتم الاعتراف بالاستقلال القضائي والمالي للمحاكم، وفك الارتباط بينها وبين وزارة العدل في أفق إلغائها وجعل مؤسساتها ضمن هيكل المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وتدعيم تخصص القضاء وإحداث محكمة إدارية عليا، وتطوير كفاءات القضاة وكتاب الضبط ومساعدي القضاة، لأن هناك أزمة عميقة لافتة لمظاهر ضعـف التكوين كما يتعين تخليق مرفق العدالة وتطهيره من سموم الفساد والرشوة التي تنخره بتحريك آليات المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب.
خالد العطاوي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق