حوادث

دراسة: المحكمة العسكرية الدائمة بين التشريع والواقع العملي (الحلقة الأولى)

خرق مدونة العدل العسكري لأهم المبادئ الموضوعية للمحاكمة العادلة

لئن كانت المصلحة الغائية من التصديق وسند القوانين داخل المجتمع، مردها بالأساس المحافظة على استقرار السلم الاجتماعي بين مختلف مكوناته على نحو يكفل ممارسة الحقوق في إطار منظومة قانونية تستلزم، من جهة، استيفاءها كافة الشروط الشكلية والموضوعية التي يقتضيها العقد الاجتماعي، ومن جهة أخرى عدم تعارض هذه المقتضيات مع مبادئ ونصوص

 

الدستور باعتباره يمثل أسمى القوانين، لكونه يعكس إرادة صريحة للأفراد بمقتضى اقتراع
علني.

لما كانت مبادئ حقوق الإنسان المتعارف عليها دوليا، تستلزم احترام التدرج وتراتبية القوانين على نحو يستقيم ومقتضيات الدستور، فإن المغرب هو الآخر، حذا في هذا المجال حذو باقي الدول، وذلك بإرسائه ترسانة قانونية شملت جل المجالات، بما فيها المجال الجنحي والجنائي، وذلك بسنه قوانين تتلاءم مبدئيا مع مقتضيات الدستور والمواثيق الدولية.
غير أن مجموعة استثناءات طالت المنظومة التشريعية المغربية، جعلتها تخرج عن القاعدة المذكورة، حملتها بالأساس مدونة العدل العسكري، التي ـ وبعدم ملاءمتها للمستجدات الحقوقية الراهنة ـ أمست في بعض مقتضياتها منافية من جهة، لمقتضيات الدستور ومن جهة أخرى، لروح المنطق القانوني والفقهي.
ولما كانت خصائص القاعدة القانونية العمومية والتجريد، فإن غياب أي نص يجيز التقاضي على درجتين أمام المحكمة العسكرية الدائمة على غرار باقي المحاكم الأخرى، يجعل المدونة المذكورة في وضعية تتعارض ومقتضيات الفصل 6 من الدستور المغربي الجديد المنبثق من استفتاء 1 يوليوز 2011، الذي جعل كل المغاربة على قدم المساواة.
ولما كانت المحكمة العسكرية مؤسسة تنضوي ضمن هرمية التنظيم القضائي، وهي تبعا لذلك ليست بأي حال من الأحوال ثكنة أو مؤسسة عسكرية، فإنه أصبح لزاما على ممثلي الأمة، خاصة أعضاء لجنة التشريع بالبرلمان، وكذا القائمين على إنفاذ مدونة العدل العسكري، أن يبادروا على وجه الاستعجال إلى القيام بكل الإصلاحات القمينة بكفل الحقوق على نحو يستفيد من خلاله العسكري أو أي متهم مدني آخر أحيل على المحكمة المذكورة، من جميع الضمانات المتعارف عليها بمقتضى المواثيق وكذا القوانين ذات الصلة بمجال حقوق الإنسان، بما فيها درجتا التقاضي.
كما أن مقتضيات أخرى يحملها التشريع العسكري، مازالت محل انتقاد من طرف الفقه، تستدعي تحيينها حتى لا تصير الحقوق محل تجاوزات.
ومن خلال دراستنا لمقتضيات مدونة العدل العسكري، سنحاول ملامسة الخط الفاصل لبعض مقتضيات مدونة العدل العسكري بين الواقعين التشريعي والعملي، وبين الطابع الاستثنائي الذي يكتنف المحكمة العسكرية إلى حد أفقدها محتواها كمحكمة، رغم ما يسديه موظفو ـ أو بالأحرى مستكتبو ـ جهاز كتابة الضبط بها من خدمات جليلة في إطار احترام تام للوافدين عليها وكذا لجهاز الدفاع.
كما سنحاول مناقشة ماهية آفاق الإصلاح الذي يمكن أن يشمل التشريع العسكري، حتى يستقيم مع مقتضيات الدستور، وكذا القوانين الأخرى ذات الارتباط بحقوق الأشخاص في إطار احترام سير الدعوى العمومية.
أولا بالنسبة إلى خرق مدونة العدل العسكري لأهم المبادئ الموضوعية للمحاكمة العادلة، لقد أصبح الاقتناع راسخا بان نظام العدالة الجنائية أمام المحكمة العسكرية الدائمة، لم يعد مبعث ارتياح لدى الفقه ولدى المهتمين بتطور الاجتهاد القضائي المغربي في المادتين الجنحية والجنائية.
وأمام تنامي الظاهرة الحقوقية بالمغرب، الذي اختار خيار ترسيخ بناء دولة الحق والقانون وفق ما هو متعارف عليه دوليا، أصبح هاجس توفير ظروف المحاكمة العادلة وفقا للنمط المعمول به دوليا على نحو يكفل احترام حقوق الأفراد وصون حرياتهم من جهة، والحفاظ على استقرار السلم الاجتماعي من جهة أخرى.    
غير أن الممارسة اليومية للمحكمة العسكرية استنادا على المدونة الحالية، كشفت بشكل واضح وجود عدة ثغرات ومشاكل مرتبطة بالأساس بعدم ملاءمة مقتضياتها للواقع الاجتماعي المعيش، وكذا للمبادئ الأساسية المرتبطة بحقوق المتقاضين باعتبارهم أطرافا معنية بصفة مباشرة في الخصومة الجنائية.
وتظهر بعض تجليات خرق المدونة المذكورة لمبادئ العدالة الجنائية في ما يلي: غياب درجتين للتقاضي؛ خرق حقوق الدفاع بتعيين مدافع عسكري غير مستوف للكفاءة والشروط المتطلبة؛ غياب مسطرة جنائية منصفة وحافظة لتوازن الحقوق خاصة في الشق المتعلق باحترام الآجال حينما يحال المتهم في حالة اعتقال، وأيضا في الشق المتعلق بضرورة البت في التهم المنسوبة إليه داخل أجل معقول؛ عدم ملاءمة المهام المنوطة بمؤسسة النيابة العامة مع طبيعة الأفعال الجرمية التي تحمل الصفة الجنائية.
إسناد صلاحية الحكم إلى هيأة غالبية أعضائها ليسوا قضاة وليست لهم الثقافة الحقوقية أو القضائية، عدم ملاءمة المهام الضبطية مع صفة موظفي المحكمة العسكرية.
لعل هذا القصور الذي يطال التشريع العسكري من شأنه إفراغ القاعدة القانونية من محتواها، بل ويجعلها مثارا لتجاوزات قد تفضي أحيانا إلى نتائج عكسية غير تلك التي وضعت من أجلها.
ولما كان الأمر كذلك، فإن الإصلاح يعتبر عندئذ ضرورة حتمية حتى يتسنى خلق نوع من الانسجام والتناسب بين التشريع والواقع العملي.
والإصلاح بمفهومه الصحيح يقتضي من المشرع إحداث تدابير جوهرية على مدونة العدل العسكري، لأن هذه الأخيرة على صيغة مقتضياتها الراهنة قد لا تفي بالغرض، بل تتسم في مجموعة من الحالات بالطابع الاستثنائي الذي يفضي غالبا إلى عدم تكريس مبادئ المحاكمة العادلة.
وسنحاول في ما يلي ملامسة بعض هذه النقط من خلال ما يلي :
غياب درجتين للتقاضي يشكل ضربا لمبدأ المساواة المنصوص عليه بموجب الفصل 6 من الدستور الجديد، استنادا على مقتضيات الفصل 6 من الدستور موضوع استفتاء 1 يوليوز 2011 نجده ينص بالحرف : «القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة. والجميع، أشخاصا ذاتيين أو اعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية، متساوون أمامه، وملزمون بالامتثال له…». والمساواة تعني أن المغاربة جميعهم على قدم المساواة أمام القانون دون ما تمييز سواء من حيث العرق، أو الدين، أو اللون أو الانتماء الوظيفي .. إلخ.
كما أن المساواة بمفهومها الشمولي تعني أن المغاربة سواسية أمام المرفق العام والخاص سواء في ما تعلق بالواجبات أو الحقوق.
وإذا كان المشرع المغربي كفل للشخص المدني، الذي يتورط في فعل جرمي، مجموعة من الضمانات خلال كل مراحل الخصومة الجنائية، وعلى الخصوص تمكينه من درجتين للتقاضي ـ ولو في الجرائم الإرهابية التي تصنف من بين أخطر الجرائم التي تهدد السلم الاجتماعي لسعيها إلى زعزعة كيان المجتمع بكافة مرافقه ـ فإنه بالمقابل استثنى فئة مجتمعية من هذا الحق اعتبارا لصفتهم، والمتمثلة أساسا في الجنود بمختلف انتماءاتهم (قوات مسلحة ملكية، درك ملكي، قوات مساعدة).
ذلك، أن كل جندي أحيل على المحكمة العسكرية الدائمة وصدر في حقه حكم، لا يحق له الطعن فيه بالاستئناف، على غرار الأشخاص المدانين بمقتضى أحكام القضاء العادي، تماشيا ومقتضيات الفصل 109 من مدونة العدل العسكري الذي ينص بالحرف، «إن الأحكام التي تصدرها المحكمة العسكرية يجوز الطعن فيها بالنقض لدى المجلس الأعلى من أجل الأسباب وضمن الشروط المنصوص عليها».

بقلم: نعيم سبيك: دكتور في الحقوق
باحث في التشريع العسكري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق