ملف عـــــــدالة

تماطل الحكومة تسبب في سنة قضائية بيضاء

عرف الموسم القضائي 2010-2011 سنة قضائية بيضاء شلت خلالها مختلف محاكم المملكة ابتداءً من فاتح سبتمبر 2010 إلى أواخر شهر يونيو 2011، وتأخرت خلالها الملفات المدرجة بالجلسات على حالتها لما يزيد عن ثلاث أو أربع مرات، ورجع العديد من المعتقلين الذين كانوا موضوع تقديم أو محاكمة إلى سجونهم دون أن تتمكن المحاكم من تقرير مصيرهم.

وبعيداً عن القراءة السطحية لمعطيات الأمور والتي ترى في جهاز كتابة الضبط المسؤول الأساسي عن تعطيل مرفق العدالة لمدة تقارب السنة، فإن هذا الحدث ينبغي تحليله وفق مقاربة تأخذ بعين الاعتبار الأسباب التي أدت – في أول سابقة من نوعها – إلى تعطيل مرفق العدالة لمدة لا يستهان بها من جهة، وجعلت هذا الجهاز يصر أكثر من أي وقت مضى على انتزاع حقوقه ورفع المظلومية التاريخية التي عانى منها منذ عقود خلت من جهة أخرى.
وهكذا، فإن النتيجة التي خلصت إليها الحكومة المغربية مع النقابة الديمقراطية للعدل (النقابة الأكثر تمثيلية في القطاع) في اتفاق 21 يونيو 2011 هي ذاتها التي سبق لهذه الأخيرة ان اقترحتها إبَّانَ تقديم الحكومة لعرضها المالي المتمثل في إدراج الغلاف المالي ل 25 مليار سنتيم زيادة في تعويضات الحساب الخاص، إذ جاء رد النقابة صريحا من خلال بلاغها بتاريخ 27 أكتوبر 2010 بقبول هذا العرض على أساس إدراجه ضمن باقي التعويضات النظامية التي يتلقاها موظفو هيأة كتابة الضبط كراتب شهري، وفتح النقاش في باقي النقاط العالقة بغية بلورة نظام أساسي كامل. وقد كان من الممكن آنذاك احتواء الأمر وفتح النقاش وفق ما سلف على أساس منطقي وعقلاني سليم ينطلق من قاعدة تشاركية وفك الاحتقان الذي عرفته المحاكم وربح ما يناهز تسعة أشهر من الفراغ القضائي الذي كبد الحكومة الملايير وأضر ضررا بليغا بمصالح المواطنين وجعل العديد من المهن القضائية تعيش عطالة جبرية.
ويرجع السبب في ما آلت إليه مصالح المتقاضين ومرتفقي العدالة إبان هذه الفترة والتي ما زالت تلقي بظلالها على فترة العطلة القضائية، إلى تعنت الحكومة ومسلسل التسويف الذي مارسته على الرأي العام الوطني والذي بلور عدم انسجام أدائها المحكوم بسبب أجندات واعتبارات سياسية ضيقة كان هدفها إحراج وزير العدل ورهن تطلعات هيأة كتابة الضبط التي باركتها الخطب الملكية ل 29 يناير 2003 و20 غشت 2009،  بحسابات سياسية لا قبل لأحد بمعرفتها، ودون اكتراث أو مبالاة بمصالح مرتفقي العدالة. وقد أضر هذا التماطل الحكومي في الاستجابة للمطالب المشروعة والعادلة لموظفي هيأة كتابة الضبط ضررا بليغا بالمتقاضين، إذ تم تمديد الخصومة القضائية بين الطرفين لما يناهز السنة دون سبب موجب للتأخير يمس بحقوق الدفاع أو بإجراء من الإجراءات المسطرية، وهو ما يعتبر استهتارا بمصالح المواطنين وبحقهم في اللجوء إلى السلطة القضائية ونيل حقوقهم في أقرب الآجال، والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الباب هو كيف يمكن للنخب السياسية أن تنتج حكومة مسؤولة ومنفتحة وتقبل بالحوار الجاد وتسعى إلى إيجاد الحلول وفق مقاربة تشاركية بعيدا عن الإقصاء وسياسة شد الحبل واللامبالاة التي لا تؤتي أكلها في جميع الأحوال ؟
إن الجواب عن هذا التساؤل الذي يعتبر في كنهه إشكالا سياسيا يجب أن ينبني على ثلاثة مقومات رئيسية :
– أولها: ضرورة أن تكون صناديق الاقتراع هي الحاسمة في إفراز الحزب السياسي الذي ينال ثقة الشعب والقطع مع أساليب الماضي التي انتجت أحزابا ضعيفة تسير في تضاد مع مصالح المواطنين لأنها لا تستجيب لنبضهم ولا تعكس همومهم.
– ثانيها: تشبيب الأحزاب السياسية وفق معيار الكفاءة والقدرة على العطاء وبما يجعل من الشباب القاعدة الأساسية في البناء الحزبي، وهو ما سيؤدي لا محالة إلى تشبيب القيادات التي هرمت ولم تعد تقوى على مسايرة واقع الحال.
– ثالثها: ربط المسؤولية بالمحاسبة وتشديد المراقبة على أداء مختلف الفاعلين السياسيين وربط الأداء البرلماني والحكومي بالكفاءة والنزاهة وفق قواعد تجعل مصلحة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار.

المصطفى صفر

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق