fbpx
حوار

التعليـم في خـطر

بورقية قالت لـ “الصباح” إن مستوى التلاميذ ضعيف جدا في العلوم واللغات ومحيط المدرسة مهدد بالمخدرات

لم تتمكن أزيد من 32 حكومة في المغرب تعاقبت على تدبير الشأن العام منذ فجر الاستقلال من إصلاح التعليم كي يواكب العولمة والتصنيع، ولأن إدارة الدولة ارتأت من جديد دق ناقوس الخطر لمواجهة تدهور التعليم العمومي، ارتأينا إجراء حوار مع رحمة بورقية مديرة الهيأة الوطنية للتقييم لدى المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، وباحثة في علم الاجتماع. في ما يلي نص الحوار:

أجرى الحوار : أحمد الأرقام

< أنجزتم تقريرا حول مكتسبات التلاميذ ما هي أهم النتائج التي توصلتم إليها؟
< من النتائج التي أبرزها تقرير تقييم مكتسبات الجذوع المشتركة 2016، أن هناك ضعفا عاما في مكتسبات التلاميذ في اللغات والرياضيات وكذا بشكل متفاوت في المواد الأخرى، نظرا لأن التقييم استهدف الجذوع المشتركة الآداب والعلوم الإنسانية والعلوم والتكنولوجيا والأصيل، إذ لا يلاحظ فرق كبير بين القروي والحضري. كما أن الفرق الأساسي الذي نجده بين الخصوصي والعمومي يبرز في اللغة الفرنسية لصالح الخصوصي. كما أن الفروق بين الجهات ليست كبيرة باستثناء الأقاليم الجنوبية التي لها تحصيل أحسن في اللغة العربية.

< قلتم وفق الدراسة التي أنجزتم، إن التعليم المغربي في خطر، ما هي أسباب تراجع قيمة التدريس في المدارس العمومية؟
< إن ضعف مستوى تلامذتنا اليوم، سيصبح خطرا غدا إذا لم نقم بالإصلاحات الضرورية ونلتمس بوادر التغيير فوق أرضية واقع المدرسة المغربية. لأن الظاهرة هي اليوم “ضعف المستوى العام”، وليست إفلاسا عاما لمنظومة التربية والتكوين. لأنه مازالت فئة من التلاميذ تلج المدراس العليا وتحقق النجاح .
لكن تقييم المكتسبات أبرز اليوم ضعفا في اللغات وفي الرياضيات وفي مواد أخرى عموما، فيجب أن نضاعف الجهود لكي نتجاوز هذا الضعف، لأنه إذا تراكم مع مرور الوقت سيصبح خطرا. ولذلك فمهمة المجلس تقتضي أن تكون له رؤية إستراتيجية للمستقبل ومن واجبه أن يحذر من المخاطرالقادمة. كما أن التربية والتكوين والبحث العلمي هي عماد إنتاج الرأسمال البشري والممر الأساسي لولوج مجتمع المعرفة وتحريك الاقتصاد في البلد. كما أن جودة التربية هي التي تؤسس وتقوي الرابط الاجتماعي في المجتمع.
< وضعت الحكومات المتعاقبة التعليم ضمن أولوياتها ورصدت مبالغ مالية ضخمة وصلت أحيانا إلى 54 مليار درهم سنويا، هل الخلل في سياسة الحكومة التي تقرر من فوق ما ينبغي أن يكون عليه تعليم المغرب أم في منظومة التربية والتعليم؟.

< من الأوليات التي كنت ألقنها لطلبتي في علم الاجتماع، هي أن الظاهرة لا يكون لها سبب واحد وإنما عدة أسباب. غير أن القول بعدة أسباب معناه أن علينا دراستها وتحليلها، ثم الانطلاق للعمل بوضع إستراتيجيات وخطة للأجرأة، وفق ما تقوله الدراسات والتحاليل. لمعرفة الأسباب لا بد أن تخضع منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي للدراسة.
وإذا تأملنا في كل ما يكتب حول التربية والتكوين في البلدان المتقدمة وفي أمريكا اللاتينية، ندرك أننا فقراء من حيث الدراسة والتحليل في مجال التربية والتعليم، لأننا نقتصر على الانطباع والنقد المبتذل.
ويمكن لي أن أقول في هذا المجال ما قاله منذ مدة جاك بيرك “إننا من المجتمعات الناقصة التحليل. أقول هذا لأن السياسة الناجعة تبنى على المعرفة . وفي نظري يجب أن نتبنى مقاربة اتخاذ القرار على أساس المعرفة العلمية وعلى أساس التقييم لما أنجز لاستشراف المستقبل.
إذن الأسباب متعددة، وهي التي ساهمت في تراكم العجز منها ما هو سياسي، إيديولوجي، فئوي ومجتمعي، ومالي، وتربوي يتعلق بالمناهج والبرامج، ومنها ما يتعلق بتاريخ لم تحدد فيه مهام وحقوق وواجبات كل فاعل في المنظومة. كما أن هناك ما يتعلق بالتربية التي لها خصوصية لأن الاستثمار فيها له زمنه غير الزمن السياسي.

< هل تعتقدين أن الإصلاح سيعمل على ربط حاجيات سوق الشغل بالتعليم والتكوين؟
< الإصلاح سيساهم في تكوين مغربي بمواصفات تجعله يواجه الحياة. فهدف التربية والتكوين هو جعل الفرد له قدرات تعمل على ارتقائه. فالمدرسة لا تلقن المعلومات فقط، إنما تنمي الملكات المعرفية للتلميذ التي تستمر في الحياة المدرسية، وبعد ذلك في الحياة عامة والحياة العملية. ولذلك فمهمة المدرسة هي أن تمنح التلميذ تعليما جيد، وأن تنمي قدراته المعرفية والتواصلية. كما أنها تشخص في مرحلة نهاية التعليم الإلزامي ميوله لتوجيهه نحو المسالك المناسبة كالتعليم الأساسي أو المهني. ومعنى ذلك أن على منظومة التربية والتكوين أن تقوم بما يجب أن تقوم به في هذا الاتجاه. ولكن هذا لن يمكن من الولوج إلى سوق الشغل إلا إذا كان الاقتصاد بدوره منتجا للشغل.

< رصدت مؤسسات عمومية ظاهرة الهدر المدرسي بحوالي 400 ألف تلميذ يغادرون المدراس سنويا، خاصة بالمدن، كيف سيتم حل هذه المشكلة؟
< يجب أن أقوم بتصحيح الأرقام . ففي 2014 انقطع عن الدراسة 280000 تلميذ في الابتدائي والإعدادي. كما أن 630000 تلميذ كرروا القسم بالنسبة إلى السلكين. فالرؤية الإستراتيجية 2015-2030 للمجلس تدعو وتقدم دعامات للإصلاح وتفعيل تلك الدعامات كفيل لضمان الإنصاف والجودة. غالبا ما يكون الهدر نتيجة لعدم تكافؤ الفرص بفعل المعطى الاجتماعي وضعف جودة التعليم.
فالرؤية حددت توصيات تتمحور حول الإنصاف والجودة والارتقاء بالفرد والمجتمع. فكل من تعميم التعليم الإلزامي، وتقديم الدعم الاجتماعي للتلاميذ عبر تنامي المدارس الجماعاتية، والداخليات والمنح، بالإضافة إلى تحسين مناخ المدرسة وجودة التعلمات عبر إصلاح المناهج التعليمية، من شأنها أن تحد من الهدر المدرسي.

ربع التلاميذ يتصفحون مواقع إباحية

كشفت الدراسة أن لغة التواصل في المنزل بالعامية، إذ أن ثلثي التلاميذ يتكلمون العربية الدارجة داخل أسرهم، و خمس التلاميذ يرتبطون بشبكة الإنترنت في منازلهم يستعملها أغلبهم من أجل القيام ببحوث مدرسية، لكن 82 في المائة منهم يلجون الشبكات الاجتماعية، و24 في المائة اعترفوا بتصفحهم للمواقع المخلة بالآداب والأخلاق.
كما لم يكتسب الطلبة الكفايات اللغوية، خاصة العربية والفرنسية المطلوبة في المنهاج الرسمي في حدها الأدنى، إذ لم يتجاوز معدل تحصيل الفرنسية بالنسبة للجذع المشترك ” علوم” في الوسط القروي 29 في المائة، والحضري 33 في المائة، وتصل الفوارق إلى 33 نقطة بين التعليمين العمومي ب 32 في المائة، والخصوصي 65 في المائة. وبالنسبة للجذع المشترك في التعليم الأصيل لا يتجاوز معدل التحصيل 19 في المائة و في الآداب والعلوم الإنسانية 23 في المائة بل الأخطر انه في مادة اللغة العربية بالنسبة لهذا الجذع تصل على التوالي 38 في المائة و39 في المائة.
الأســـرة تـنـازلـت للـمـدرسـة

< كيف السبيل لحل معضلة لغة التدريس بين العودة إلى “فرنسة” العلوم وغياب تكوين للمدرسين الذين ألفوا اللغة العربية؟ وألم يحن الوقت لتعليم الأطفال الإنجليزية لغة أجنبية أولى، لمواكبة العولمة؟
< ما أسفر عنه تقييم مكتسبات تلاميذ الجذع المشترك بكل المسالك أن هناك إشكال ضعف في المكتسبات اللغوية للتلاميذ على مستوى الفهم والتحرير الكتابي. ولا يتعلق الأمر باللغة الفرنسية فقط وإنما أيضا باللغة العربية. وهل هذا الأمر سيدفعنا كما تقول إلى اللجوء إلى اللغة الإنجليزية؟ هنا أيضا فالرؤية الإستراتيجية التي وافق عليها أعضاء المجلس، أتت بهندسة لغوية تتلاءم مع هوية المغرب وتاريخه وحاجياته وواقعه.
فالاختيار اللغوي لا يأتي اعتباطا وإنما يمليه واقع متعدد الأبعاد. فللمغرب لغتان رسميتان اللغة العربية والأمازيغية وراءهما تاريخ وحضارة. والفرنسية هي لغة مستعملة في الاقتصاد والإدارة واللغة الإنجليزية هي اللغة العالمية للعولمة والبحث العلمي. ولذلك فعلينا أن نعبئ كل الوسائل لإنجاح هذه الهندسة اللغوية بعقلانية عبر تكوين الأساتذة لمواجهة النقص في المدرسين الذي تعانيه المنظومة، مع ضمان توفير المدرسين في المستقبل. إن إنجاح الرهان اللغوي هو إرساء عدالة لغوية بين أبنائنا لأن التلاميذ الذين لا يتقنون اللغات الأجنبية بالإضافة للغات الوطنية يقصون من فضاء الاقتصاد والعلم، وأن قصورهم في اللغتين العربية والأمازيغية يحجب عنهم تاريخ بلدهم وحضارته.

< الجميع يتحدث عن التعليم دون التربية لماذا تم تهميش الأسر وباقي المؤسسات؟
< الأمر لا يتعلق بتهميش الأسر في التربية، وإنما ببروز ظاهرة أن الأسر تقلص دورها في مجال التربية، والبعض منها استقل من هذه المهمة. وهذا أمر ساهم فيه التحول الكبير الذي عرفته التربية في مجتمعنا في مدة قرن من الزمن، بحيث كانت تعرف التربية، في الماضي، استمرارية بين المؤسسات التربوية (المسيد) والأسرة وأن مرجعيات السلطة واحدة سلطة الفقيه تكمل سلطة الأب. وخلال قرن من الزمن برزت المدرسة العصرية، التي يقضي فيها الفرد جزءا كبيرا من حياته. وفي تزامن مع ذلك عرفت الأسرة تحولا كبيرا وتنوعا في نماذجها ولا يخلو ذلك من توتر أدى إلى أن الأسرة سلمت في غالب الأحيان مهمة التربية للمدرسة. ولا يمكن معالجة هذا الوضع إلا إذا وضعنا آليات لخلق الجسر الضروري بين المدرسة والأسرة. ونماذج هذا النوع من الآليات موجودة في التجارب الدولية.

< يلاحظ أن هناك تلوثا لمحيط المدارس بإغراقها بالمخدرات، هل وقفتم في دراسة تقييم مكتسبات التلاميذ على هذه الظاهرة؟
< بالفعل إن التقييم الذي قمنا به يبين أن بعض الظواهر المخالفة للحس المدني موجودة في المدرسة وفي محيطها. فهي لا تمس غالبية التلاميذ ولكن عندما تكون ممارسات المخدرات أو العنف والتحرش ولو إن كانت تصدر عن أقلية فلا مكان لها في فضاء التربية. مما يقتضي معالجة وكبح تطور بعض الممارسات التي تمس التربية في جوهرها.

< كيف يمكن خلق مدرسة نموذجية عصرية ذات جودة عالية للتعلم؟
< ليست هناك وصفة سحرية غير إصلاح المدرسة بمقاربة تحدد أولا الأولويات، باعتبار أن الأبعاد التي تتطلب منا الإصلاح متعددة ويطرح علينا سؤال من أين نبدأ؟ فهذا السؤال هو سؤال إجرائي، ولكنه في الوقت نفسه سؤال إستراتيجي. فعلى المستوى الوطني العام علينا أن نحدد ما هو البعد الذي إذا تم إصلاحه سينتج عنه تأثير إيجابي على الأبعاد الأخرى؟ أرى بأن البعد الذي يجب البدء به يتعلق بحكامة وقيادة التغير والإصلاح والتي يمثلها كل مديري المؤسسات التعليمية، لتحرير المبادرة على المستوى الجهوي والمحلي تم ثانيا الهيأة المدرسة. وبالتالي تثمين المهن في التربية والتكوين هو أمر أساسي.
أما في ما يخص الأبعاد الأخرى، فيجب أن نقوم بالتجريب قبل التعميم. غالبا ما ينظر الناس للتجريب في مجال التربية نظرة سلبية. والواقع أن كل البلدان تلجأ إليه لخلق النماذج التي تعمم فيما بعد.
الثقافة الرقمية

< هل تعتبرين أن تدريس التلاميذ باستعمال تكنولوجيا الإعلام سينمي قدراتهم؟
< وضع النظام المعلوماتي “مسار” من طرف الوزارة هو إنجاز مهم في تدبير المعطيات حول التلاميذ. غير أن إدماج تكنولوجيا الإعلام في مجال التربية والتكوين يتطلب مجهودات أخرى كالتي بذلت في برنامج مسار وبرنامج “جيني”.
أعتقد أننا نعيش نقصا كبيرا في استعمال التكنولوجيا في مجال التربية والتكوين لعدة أسباب. فاستعمال تكنولوجيا الإعلام في مجال التربية والتعليم لا يقتصر على توفير الحواسيب، وإنما أساسا على بلورة المضامين بالشكل الجيد لتمكين التلاميذ من الولوج الجيد للعالم الرقمي. وعلى الرغم من المبادرات التي تقوم بها أقلية من الأساتذة والمجهود المبذول من طرف مديرية “جيني”، فإننا ما زلنا لم نحقق تقدما كبيرا في هذا المجال لأسباب عدة منها: أننا لم نتبن بعد التربية الرقمية، أن نعلم التلميذ، لا كيفية استعمال الحاسوب، الذي يحسن الولوج إليه لذاته وبمعرفته الخاصة، وإنما كيفية البحث عما يفيده.
وما نلاحظه اليوم، هو أن التلاميذ يستعملون الحاسوب والأنترنيت والواتساب والشبكات الاجتماعية، ولكن بدون ثقافة رقمية تجعلهم يستفيدون من غزارة المعارف التي توجد في العالم الرقمي. لا يجب أن نترك أطفالنا عرضة للاستعمال المتوحش للفضاء الرقمي الذي يعرضهم للعنف والتطرف، وفي أحسن الأحوال للثرثرة… ولذلك فمن الضروري أن يدرج تعلم كيفية البحث في المواقع التربوية والعلمية في البرامج.

ضعف في الرياضيات والفيزياء

يصل معدل تحصيل الرياضيات جذع علوم في الوسط القروي 33 في المائة والحضري 34 في المائة، وفي التعليم العمومي 33 في المائة والخصوصي 47 في المائة، والفيزياء والكيمياء في القرى 40 والوسط الحضري 39 في المائة والعمومي 39 في المائة وبالقطاع الخاص بالكاد حقق 51 في المائة والأمر متشابه بالنسبة لجذع الآداب والعلوم الإنسانية في مادة الرياضيات بالوسط القروي 40 في المائة والحضري 38 في المائة.
وبالنسبة للجذع المشترك تقني/ علوم في مادة الرياضيات علمي 33 في المائة والتقني 42 في المائة وفي مادة الفيزياء علمي 39 في المائة والتقني 48 في المائة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق