تجارة الهياكل العظمية وأسنان الفيل البحري المنقرض وطيور عملاقة بأولاد بوعلي لم تعد جبال التربة الزائدة والصخور، التي تخلفها وراءها أشغال المكتب الشريف للفوسفاط بخريبكة وضواحيها، تخبئ ما يجري في قرية أولاد بوعلي، إذ بات كل شيء عاريا، منذ أن سقط فيها ضحايا انفجار فضيحة تهريب ديناصور بحري من المغرب إلى باريس، ومحاولة بيعه بأزيد من 450 مليون سنتيم، في 7 مارس الجاري. لم يتوقف وقع الفضيحة عند حدود الدوار، الذي تعيش أزيد من ألفين نسمة فيه، من تجارة المستحاثات، بل امتد إلى أرفود وباقي المناطق التي حولت التراث إلى مورد عيش، وساهمت بمبرر "نوكل الدراري"، في استنزاف التراث الجيولوجي، سواء تم ذلك عبر التهريب أو السرقة أو التجارة، وكلها ثقوب تتسرب منها ذاكرة المغرب الجيولوجية. الإشكالية التي اتفق عليها الجميع منقبون وباحثون وأساتذة جامعيون ووزارات، هي أن التراث ليس ببساتين تثمر أشجارها في كل موسم أو بئر تتجدد مياهه باستمرار أو صناعة تواكب العصر، بل هو كنز لا يتجدد. لا يولد. لا يمكن العثور على مثيله في أي مكان. ليخلصوا إلى أن غياب ترسانة قانونية أو قانون إطار، يوسع الهوة بين المغرب وماضيه. إنجاز: ضحى زين الدين - تصوير: (أحمد جرفي) (موفدا "الصباح" إلى قرية أولاد بوعلي بخريبكة) هم بالمئات، إن لم نحتسب الشيوخ والأطفال. حوالي 450 شابا، يستيقظون مبكرا، يحملون زاد يومهم في حقائب رياضية، وعدة عملهم المكونة من فؤوس ومطارق حديدية وسكاكين صغيرة وفرش، قبل أن ينطلقوا على متن دراجات نارية كبيرة أو يمتطون الحمير، لينتشروا في أرض المجمع الشريف الشاسعة، تنقيبا عن قوت يومهم. قرية منقبين "احنا هما الضحايا"، يقول عبد المالك، منقب عشوائي، وهو يلكز بأصبع يده اليمنى صدره الهزيل، حتى أنك تكاد تسمع هزات قفصه الصدري، "حتى واحد ما تسوق الاثنين"، يقول الشاب، في إشارة إلى أن السكان لم يرتادوا السوق الأسبوعي، مخافة الاعتقال ولأنهم أيضا متوقفون عن العمل، ليضيف "منذ أن انفضح أمر تهريب "بليزيوصور" (ديناصور بحري)، توقف العمل، وهذا ما لم يحدث منذ ثلاثين سنة، كان الجميع فيها يعمل بدون توقف". هو واحد من مئات لم يحوزوا شهادات التنقيب من أي جامعة أو معهد، ولا درسوا المهنة بأصولها العلمية، بل وجد نفسه يخوض التجربة وهو بعد طفل في التاسعة، " ككل شاب هنا ورثت المهنة عن والدي في الصغر، بل إنني غادرت المدرسة في القسم الثاني ابتدائي لألتحق بحرفة التنقيب". اكتسب أطفال وشباب المنطقة خبرة في الميدان، وهم يعرضون أنفسهم لمخاطر كبيرة، لا تبدأ بلسعات العقارب ولدغات الأفاعي، ولا تنتهي بانهيار التربة والاختناق تحت ركام الأتربة، خاصة الذين يحفرون منهم بشكل أعمق، للوصول إلى ما يسمى في قاموس التنقيب في المنطقة ب"البولقاجة"، وهي الطبقة الأرضية التي غالبا ما يعثرون فيها على قطع محفوظة بشكل جيد وكامل، خلاف القطع التي تصل إليها أياديهم في الطبقة الثالثة من التربة. "بعد يوم شاق نعود إلى الدوار محملين بما جمعناه، وفي انتظارنا السماسرة والتجار"، يسجل حميد منقب آخر، قبل أن يضيف وهو يشير إلى سلعه التي تفوق قيمتها 60 مليون سنتيم، إذا ما باعها لسماسرة المنطقة وتجارها، وتزيد عن ذلك بكثير إذا باعها للأجانب بنفسه. مساء يتحول الدوار إلى بورصة للهياكل العظمية والقطع الأثرية التي تدر على بعض السكان مصروف أسبوع فقط، وتضمن للسماسرة ملايين السنتيمات. تحقيقات قد تكون قرية أولاد أبو علي، هي الأولى من حيث الإنفاق على الجرائد الوطنية، غير أنهم لا يقومون بذلك ولعا بتتبع آخر المستجدات، بل يقتنون كميات كبيرة من الجرائد القديمة لتغليف مستحاثاتهم، للحفاظ عليها، قبل تخزينها في علب كارتونية. ورغم ذلك، فهم لا يهتمون بالخبر ولا يطاردونه في الراديو ولا التلفزة والجرائد ولا حتى المواقع الإلكترونية، باختصار أغلبهم لا يهتم بما يجري خلف الحصار الذي تضربه عليهم جبال مخلفات الفوسفاطيين، من كل الجهات، "لم نسمع بالخبر في حينه، حتى استدعت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بعض تجار المستحاثات من حاملي الرخص للتحقيق معهم في ملف الديناصور، الذي ظهر في باريس". يقول سعيد عتيب، بائع مستحاثات، أنهكه الجري في ردهات الإدارات العمومية طلبا لرخصة تعبد أمامه طريق بيع مستحاثاته بطريقة قانونية، ليتحول إلى "بائع عشوائي"، على حد تعبيره، وهو يبتسم كاشفا عن أسنان بنية، على غرار باقي سكان القرية الذين تآكلت أسنانهم، وترقطت نتيجة ملوثات مياه الشرب بالمنطقة. عاد المستدعون من قبل الفرقة الوطنية إلى الدوار، وجاب سماسرتهم البيوت، وهم يلقون فيها أوامر من قبيل، "ها شنو تقولو للبوليس إلا سولوكوم. وقفوا الخدمة دابا حتى نعلموكم". قبل زحف رمال عناصر الفرقة الوطنية على ملف تهريب الآثار وهياكل الديناصورات والحيوانات المنقرضة منذ ملايين السنين، من قرية أولاد بوعلي، باشر الدرك الملكي تحقيقاته، وأغلق ملفاتها على "تصريحات كاذبة"، حسب أحد منقبي المنطقة وتجارها السريين. "جاو الجدارمية، ولكن لمن سمعوا؟ هذا هو السؤال؟" يقول أحد سكان القرية من المتضررين من المنع من العمل بأمر من أشخاص عاديين، يحتكرون التجارة في المجال، إذ لم يتوصل السكان بأي قرار رسمي من أي جهة، ولم يحدثهم أي مسؤول عن الاستمرار في عملهم اليومي أو التوقف عنه، غير أنهم بعد فضيحة ديناصور معرض باريس، منحوا أنفسهم عطلة إجبارية، بأمر غير مباشر من التجار، مخافة أن تطولهم تحقيقات الفرقة الوطنية للشرطة القضائية. "بعد أن استمع رجال الدرك الملكي لبعض التجار، غادروا، دون أن يتحققوا مما أفرغه في آذانهم هؤلاء من شهادات، وأغلقوا محاضرهم على حقائق مزيفة، مفادها أن السكان يعملون في الصناعة التقليدية، دون أن يكلفوا أنفسهم الاستماع إلى المنقبين الحقيقيين"، يقول رضوان بلعثماني، أحد المنقبين بصوت أخذ يعلو كلمة بعد أخرى إلى أن تحول إلى صراخ. "الحقيقة التي لا يريد أحد سماعها، هي أن مهربي الآثار حولوا القرية بأكملها إلى عبيد، يشقون ليل نهار للحصول على مستحاثات، تختلف قيمتها التاريخية والمادية وحتى العلمية، قبل أن يستحوذوا عليها، ويفوتوها بطرقهم الخاصة إلى أجانب" يحكي أحد أبناء المنطقة، وأغلبهم يختار التحدث بدون ذكر أسماء مخافة الانتقام منهم من قبل صيادي الديناصورات، ويؤكدون أنهم راسلوا وزارتي الثقافة والطاقة والمعادن لبسط كافة الدلائل أمام مسؤوليها، وحول كل عمليات تهريب ديناصورات وقطع أخرى ذات قيمة تاريخية كبيرة، ومسارات تهريبها، وأسماء المتورطين في ذلك، غير أنهم لم يتلقوا أي رد، "وحتى الفرقة الوطنية للشرطة القضائية أو عناصر الدرك استمعوا إلى أشخاص بعضهم متورطون، ولم يدلوا بالحقيقة كاملة، بل إنهم هددوا بطرق غير مباشرة السكان". تقفت "الصباح" آثار التحقيقات الأمنية، غير أنها اختفت عند حدود الدوار، فبالإضافة إلى شهادات بعض المنقبين، أكد تاجر توصل قبل حوالي ستة أشهر فقط برخصة التجارة في المستحاثات أنه تلقى استدعاء من الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، وأنه سافر إلى البيضاء حيث استمعت إليه عناصرها، و"سولوني غير على المهنة" اكتفى التاجر الشاب بهذا القدر، مؤكدا ألا علاقة له بتهريب "بليزيوصور". مصادر أمنية أكدت أن التحقيقات متواصلة، إلا أنها لم تكشف الجهات التي طالها البحث بالإضافة إلى بعض تجار المنطقة ومسؤولين في المكتب الشريف للفوسفاط. هنا يتوقف الحديث عن التحقيقات الإدارية والأمنية، ويفيض في المقابل الحديث عن أنواع المستحاثات الثمينة التي عثر عليها في المنطقة نفسها، ومنها ثلاثة ديناصورات بحرية مماثلة، دفع إيطالي عربون 5 آلاف درهم للحصول على أحدها، بعد أن وعد البائع بخمسين ألف درهم، غير أنه بعد انفضاح صفقة "بليزيوصور" باريس ومحاولة بيعه بأزيد من 450 مليون سنتيم، استبد الغضب بالبائع وسمساره، "ضحكوا علي أولاد الحرام" يقول سعيد، وهو يؤكد أنه مستعد لإرجاع العربون، والتعاون مع السلطات، ليس فقط للكشف عن مكان "بليزيوصور" الذي تقاضى عربونه من الإيطالي، ولكن الأماكن التي توجد فيها أخرى، "السلعة وضعت بعناية في علبها، وتنتظر وصول مقتنيها". يتردد البائع نفسه، قبل أن يلقي بشباكه، "ما تشوفوش لينا الجمعية ولا شي مسؤول فالوزارة، أنا عارف فين كاين "بليزيوصور"، خذيت فيه عربون 5 آلاف درهم" يقول سعيد، الذي تصعقه من حين إلى آخر، فكرة أنه "مشموت"، ليقول "شمتوني، "بليزيوصور" ب450 ألف أورو، وأنا قالوا ليا غير 50 ألف درهم، فيها أنا ومول الديناصور وزيد وزيد". بداية الفضيحة تشجب جمعية حماية التراث الجيولوجي للمغرب عرض كنز تراثي فريد للبيع العلمي في فرنسا. ويتعلق الأمر بهيكل عظمي ل"بليزيوصور" بحري يسمى زارافاسورا أوسيانيس" وجد في حوض الفوسفاط بخريبكة، ويعود ل66 مليون سنة. وستجري عملية البيع هذه في فندق "دروو" بباريس يوم 7 مارس. وحسب الجريدة الفرنسية لوفيغارو ليوم 23 يناير 2017، فإن هذا الأحفور الاستثنائي يقدر بحوالي 450 ألف أورو. وقد راسلت الجمعية مدير الجيولوجيا بتاريخ 17 فبراير لاستفساره عما إذا كان هناك إذن بتصدير هذه العينة الفريدة، وإن كان الأمر غير ذلك، فمن المفروض التدخل لدى منظمي هذا البيع من أجل إعادة الأحفور إلى بلده الأصلي المغرب. إن التراث الجيولوجي المغربي للمغرب معترف عالميا بغناه وتنوعه، وهو ما جعل بلدنا يحظى بجنة الجيولوجيين". انتهى بلاغ الجمعية المغربية لحماية التراث الجيولوجي المغربي، غير أن الأحداث التي تلته لم تنته بعد، بل بدأت للتو، "هذه الجمعية هي اللي شعلات العافية في الدوار من باريس" يقول منقب آخر رفض ذكر اسمه مخافة التعرض لانتقام مافيا تهريب هياكل الديناصورات البحرية والتماسيح وأسنان الفيل البحري ومخلوقات أخرى بحرية يعود تاريخها إلى ملايين السنين. "لو حصلت الجمعية على هيكل مماثل، هل كانت ستقوم بما قامت به اليوم؟ منذ متى تعتبر هذه التجارة تهريبا؟ سأقول لك السبب" يقول الشاب بلغة توحي بأنه يكشف سرا من أسرار فراعنة هذا المجال، الذي عاث فيه أسياده قبل عماله فسادا، بعد أن ساهموا في تهريب تراث المغرب الجيولوجي بكل أنواعه مما يوجد تحت البر وفوقه، "جات عندنا امرا مغربية وقالت لينا باش نتعاونو معاها في شي بحث، ولكن هذا ماشي الضومين ديالها ذاك الشي علاش رفضنا التعامل معاها" يقول المنقب ويضيف "لكن بعد أسابيع نزلت بنا لعنتها سريعا، فقد تكون هي التي أوصلت المعلومة إلى الجمعية عن واقعة تهريب الديناصور البحري، وإلا لما عرف المغاربة بوجود دوار اسمه اولاد بوعلي، ولا علمت بنا حتى السلطات فلسنا ممن يتلقون الوعود ولا من يطالب بتحقيق المطالب أمام قبة البرلمان ولا الولاية ولا حتى الجماعة" يضيف المنقب الساخط، غير أن هذه الاتهامات أزعجت كثيرا حسناء الشناوي، رئيسة الجمعية نفسها، وهي توضح أن الإطار الجمعوي لا يهتم بتجارة المستحاثات، إنما تأسس بأهداف علمية وثقافية "لا نبيع ولا نقتني، لكن يبدو أن عملنا الناجح أزعج وأقلق الكثيرين، ولم يجدوا من طريق إلا محاولة تشويه صورة عملنا، وهذا ما لم نقبله، هذه سلوكات مرفوضة، فزيارتي إلى أولاد بوعلي تعود إلى عشر سنوات، وليس قبيل الصفقة، ولا علاقة لأي امرأة أخرى قد تكون زارت هذه القرية ببلاغنا، لأننا عرفنا المعلومات مما نشر في الصحف الفرنسية وأخبرنا وزارة الطاقة والمعادن أولا، قبل أن نتحرك على المستوى الإعلامي". انزعاج البعض من كشف صفقة "بليزيوصور"، يقابله استبشار آخرين خيرا، إذ ردد بعض السكان عبارات بشرى تجد خلاصتها في مقولة "رب ضارة نافعة". وقصدوا بذلك أن واقعة اكتشاف الديناصور البحري، قد تعود بالنفع على القرية، وقد تدفع السياسيين إلى التحرك، وتلقي بمقترحات ومشاريع قانون إطار لهذا الميدان، وتحديد مجالاته بدقة، والأنواع التي يمكن أن تخضع لقانون البيع والشراء وتلك التي لا تقدر بثمن، ويجب الاحتفاظ بها في الوطن. فيما يؤكد آخرون أنه آن الأوان لمساءلة المكتب الشريف للفوسفاط عن مشروع المتحف، الذي دفع مئات الملايين لتأسيسه، "اقتنى مسؤولون من المجمع هياكل وأحفورات ب600 مليون سنتيم في 2005، وقالوا إنهم سيؤثثون بها المتحف الذي سيؤسسونه... شفتك أنت ما شفت الهياكل ولا المتحف"، يقول منقب من المنطقة. قانون إطار...حلول مستدامة تضع حسناء الشناوي، رئيسة جمعية حماية التراث الجيولوجي بالمغرب، مسافة التحفظ بينها وبين كلمة "تهريب" و"سرقة" التراث الجيولوجي المغربي، "لم نشر في بلاغنا إلى كلمة تهريب أو غيرها، بل تساءلنا إن كانت هناك وثائق تشير إلى تصدير هذا الأحفور الاستثنائي، بشكل رسمي وطالبنا باستعادة هذا الكنز الوطني" تقول الشناوي، موضحة أن الجمعية اختارت لغة التحذير والتنبيه منذ تأسيسها، من استمرار استنزاف التراث الجيولوجي للبلاد، "قمنا بذلك في عدة تظاهرات ولقاءات علمية وطالبنا مرارا بحماية تراثنا". ولم تتوقف الجمعية، حسب رئيسة الجمعية التي فضحت صفقة بيع "بليزيوصور"، عند حد التنبيه، بل طالبت بالإسراع بإخراج قانون إطار ينظم القطاع، ويلقي الضوء على المناطق المعتمة في هذا الملف، "الظاهرة ليست جديدة، فما دام هناك أناس يخرجون تراثنا بصفة قانونية أو غير قانونية، فإن تراثنا سينضب، وفي غياب قانون إطار سيتواصل النزيف، لذلك على المسؤولين أن يعوا فداحة هذه الخسارة. جمعيتنا تطالب منذ 15 سنة بهذا القانون دون جدوى". وحسب الشناوي فإنه إذا أخرج قانون يحترم حقوق الباحث والمنقب والبلاد، ويؤطر لتأسيس متاحف، ف"إننا بذلك سنحمي ثروتنا، وسنحافظ عليها من الانقراض سواء بطريقة شرعية أو غير شرعية، لذلك ندافع عن إيجاد حلول مستدامة وليس عن قرار آني يهم قضية آنية".