أخطاء تدبير الملف قوت شوكتهم والأشرطة المسربة تكشف خطابهم التكفيري شُيدت السجون لإعادة ضبط فئات لا تحترم القانون وتبيح لنفسها فرض قانون الغاب على المجتمع، إلا أنه في أحيان كثيرة تصبح المؤسسات السجنية مجتمعا بطقوسه الخاصة وتنعتش فيه كل السلوكيات التي من أجلها أدين المتهمون.ويٌجمع باحثون على أن تدبير ملف السلفية الجهادية بالسجون يعكس سوء تقدير المسؤولين لقنبلة مدانين أودعوا السجن، ونجحوا في تأسيس إمارتهم التي لا تعترف بسلطة القضاء والقوانين الداخلية، بل تسعى إلى تحقيق ما عجزت عنه خارج أسواره، والأمثلة كثيرة ومتنوعة.ويفتقد تدبير ملف السلفيين بالسجون إلى رؤية واضحة المعالم ترتكز على الاستفادة من تجارب دول شقيقة في تدبير شؤون قطاع أصبح في ظرف وجيز يضم المئات من الملتحين، يسعون إلى الضغط على الإدارة بمطالب خيالية ويهددون بالانتقام بتشويه سمعة البلاد عبر ترويج أشرطة فيديو مع الاختباء وراء كل القيم الذي نبذوها سابقا.لقد دأبت إدارة السجون، منذ أحداث 16 ماي الإرهابية، على عزل أفراد المجموعات المرتبطة بملف السلفية الجهادية عن باقي نزلاء المؤسسات السجنية، واعتمدت السيناريو نفسه بحذافيره مع مختلف المجموعات على اختلاف مرجعياتها. وأدت سياستها، في نهاية المطاف، إلى فرار عناصر خطيرة وتمرد أخرى والاعتداء على رجال الأمن في حالات أخرى.وبدل أن يستوعب المسؤولون أن جمع شتات السلفيين في سجون معينة خطير، ولا يؤدي إلا إلى سيناريوهات مدمرة، واصلت تدبير الملف بقدر كبير من الارتجالية، من خلال إجراءات يطبعها الهاجس الأمني، بل الأدهى والأمر، أن تلك التدابير أدت في نهاية المطاف إلى تمكين المجموعات من التحكم في السجون، وفرض نهج معين للتعامل معها.وفي كل مرة، كانت إدارة السجون تكرس السيناريو نفسه وتعيد إنتاجه، غير آبهة بتداعياته التي قادت في آخر المطاف إلى أحداث السجن المدني بسلا.منذ محاكمة سلفيي 16 ماي بالبيضاء اقتصر تدبير الملف على سياسة جمع شتاتهم، إذ غالبا ما يتم نقل مجموعات منهم إلى سجن معين ويودعون في حي معزول كليا عن باقي السجناء مع تطبيق العزلة الانفرادية على جميع أفراد المجموعة، أو على الأقل، على من تعتبرهم قادة أو عناصر خطيرة، ولا تفتح الزنازن إلا في وقت الفسحة، حيث المراقبة التي لا تدوم إلا وقتا وجيزا، آنذاك تنفرد الإدارة بكل معتقل من هؤلاء على حدة، فتضطر المجموعة للتفكير في مختلف الطرق الممكنة لفك العزلة، وغالبا ما تعجز الإدارة عن منعها، وبذلك تتمكن المجموعة من التخطيط بإحكام للإضراب عن الطعام بعد الاستعداد له جيدا داخل السجن وخارجه وضمان سبل الدعاية له في غفلة من الإدارة، وتكون النتيجة دائما فك العزلة وفرض اعتماد حياة جماعية، مما يساهم في تقوية المجموعة واتحاد أفرادها، وبذلك يتم فرض المزيد من التنازلات، ويصبح كل ما كان ممنوعا ومراقبا بالأمس القريب مباحا، ويعود الحارس خاضعا لنفوذهم، كما يقول أحد الباحثين.وعادة ما تستغل جماعات السلفيين الظرفية المناسبة من أجل الإعلان عن نفسها، فحادث أركانة بمراكش دفع «رموزها» داخل السجون إلى الإعلان عن أهدافهم ووجهة نظرهم التي تتلخص في بث خطاب التشكيك في العمليات الإرهابية واتهام «المخابرات بتدبيرها»، في أسطوانة اعتادوا تكرارها عقب كل تفجير إرهابي، بل سرب هؤلاء من داخل السجون أشرطة تتهم جهات داخلية والمخابرات بفبركة حادث مراكش الإرهابي، دون تقديم أدلة أو احترام لأرواح الضحايا الأبرياء، وهدفهم «التبرئة المسبقة لأتباعهم خارج السجون». خالد العطاوي