fbpx
ربورتاج

“الرجل الحصان”… تعب كلها الحياة

ينوبون عن الدواب في جر عربات تحمل سلعا ثقيلة مقابل مبالغ زهيدة

عند الحديث عن “الرجل الحصان”، لا يتعلق الأمر هنا بالأسطورة الإغريقية الشهيرة، التي تتحدث عن مخلوقات نصفها إنسان والآخر حصان، والتي حاربها أبطال الإليادة والأوديسة، وإنما  يتعلق الأمر برجال،
نابوا عن الدواب لجر عربات كبيرة، ونقل سلع تتجاوز طاقتهم، ينتشرون كثيرا بمنطقة درب عمر بالبيضاء.

إنجاز: مصطفى لطفي

تتضارب أعمار هؤلاء الناس، فتارة تكون أمام شيخ، تقوى جسده وتكيف مع المهنة، وتارة أمام شباب، دب الحماس فيهم بشكل كبير، إذ يجرون عرباتهم بسرعة كبيرة لتأكيد تفوقهم، بعد أن تعودت أجسادهم على صعوبة هذه المهمة، مقابل ثمن زهيد لا يتجاوز 30 درهما.

التضحية بالجسد
قرب محل تجاري كبير بدرب عمر، جلس ” با العربي” اسم مستعار، يأخذ قسطا من الراحة، بعد أن نقل أزيد من أربعة طلبات لمجموعة من الزبناء. ظهر التعب على محياه، بين الفينة والأخرى يمد يده إلى ظهره، في إشارة إلى أنه أصيب بتوعك، لكنه خفيف وعاد حسب قوله.
بعد أن استرجع أنفاسه، كشف سر عدم استعانتهم بدواب لجر عرباتهم، إذ قال” درب عمر منطقة صغيرة، ومهمتنا نقل السلع من محل تجاري إلى آخر أو إلى شاحنات ستعمل على نقلها إلى باقي مختلف المدن، والاستعانة بالدواب، ستتسبب في فوضى بالمكان، ناهيك عن الأوساخ والقاذورات التي ستخلفها، وبطيبعة الحال، لن تقبل السلطات المختصة بهذا الأمر، بل وحتى التجار أنفسهم، لأنه سيضر بتجارتهم، بعد أن يرفض الزبناء زيارة المكان، لهذا فضلنا التضحية بأجسادنا، حتى لا نفقد عملنا اليومي”.
احترف “با العربي”، البالغ من العمر حاليا 50 سنة، هذه المهنة منذ التسعينات، له حاليا ثلاثة أبناء، على وشك التخرج والعمل، وهو ينتظر هذا اليوم بفارغ الصبر، حتى “يحط السلاح ويستراح” كما قال مازحا.
بالنسبة إليه هذه المهنة لها فضل كبير، إذ بها كون أسرة ونجح في توفير المال لتعليم أبنائه، لكنها ليست المستقبل، فمع تقدم العمر سيجد نفسه مجبرا على مغادرتها، لهذا على كل من احترف هذه المهنة، حسب قوله “توفير جزء من المال” لضمان مستقبله.

“الرزق على الله”
غادرنا با “العربي” بعد أن نودي عليه من قبل مستخدم بمحل لنقل سلعة إلى زبون بالمنطقة، وهو ما أثار حفيظة شخصين كانا بالقرب منه أمام عربتيهما، ما يكشف أن هناك أسرارا تخبئها هذه المهنة. حاولنا معرفة سر هذه النظرة الغريبة إلى “با العربي” من قبل هذين الشخصين. جاء الرد سريعا، إذ تحدثا عن وجود “فرزيات” في التعامل مع أشخاص معينين، بحكم أن أصحاب بعض المحلات يفضلون العمل مع أشخاص محددين دون الآخرين، لكن “الرزق عند الله”، حسب قولهما. بالنسبة لعمر وأحمد، وهما في الثلاثينات من العمر يتحدران من ضواحي البيضاء، احترفا هذه المهنة حديثا، بعد أن غادرها آخرون بسبب كبر السن أو المرض، فهما يعترفان أن مدخولها قليل مقارنة مع المجهود اليومي الذي يقومان به .
ما يثير غضبهما أن هذه المهنة لا مستقبل لها، إذ في حال سقط صاحبها فريسة للمرض أو العجز، انقطع دخله اليومي، بل ما يؤرقهما كثيرا بلوغما من العمر عتيا، إذ عاينا كيف أن عددا كبيرا من محترفي هذه المهنة، غادروها دون أن ينصفوا، بل منهم من يعيش على مساعدات تجار المنطقة.

أخطار وأمراض
بزقاق بدرب عمر، كان محمد، 40 سنة، يضع بضائع عديدة على عربته، بمساعدة مستخدمي محل تجاري. تجاوزت العلب الكارتونية العشرة، تضم سلعا مختلفة ثقيلة الوزن. وبعد أن وضعها بانتظام شرع في ربطها بحبل، حتى لا تسقط أرضا أثناء نقلها إلى شاحنة متوجهة إلى ورزازات.
أبدى محمد ابتسامة عريضة، عند التأكيد أن وزن الحمولة سيشكل ضررا له، رد بهدوء ” أنا ولفت الثقل، وهادي هي خدمتي”. وفي رمشة عين، انطلق بسرعة كبيرة، كأنه جواد حقيقي، غير آبه بهذا الوزن الكبير، قبل أن يتوقف أمام الشاحنة، حيث شرع  في إفراغ الحمولة ووضعها على متن الشاحنة بمساعدة آخرين، قبل أن يتسلم مبلغا ماليا ويغادر المكان.
يكشف محمد أنه في بعض الأحيان تتجاوز الحمولة أزيد من ثلاثة قناطير، صحيح أنها ثقيلة جدا، لكن حسب قوله “طرف الخبز هذا”.
حمل هذه الأوزان الثقيلة ليس بالأمر الهين، فغالبا ما تكون لها مضاعفات صحية خطيرة، تجعل عددا من مزاولي هذه المهنة يعانون أمراض الظهر على الخصوص، ويعيشون عطالة عن العمل لمدة طويلة قبل أن يستعيدوا عافيتهم. يؤكد محمد هذا الأمر، عندما انقطع عن العمل لمدة أسبوعين، بعد أن أصيب بتمزق في ظهره، لسوء تقدير الوزن الحقيقي لسلعة تكلف بنقلها، مضيفا انه اضطر للحصول على مساعدات مالية من تجار المنطقة لتوفير لقمة العيش إلى أن استعاد عافيته.

نهاية حزينة

بمكان بدرب عمر، جلس شيخ، يتجاوز عمره 60 سنة يشارك زملاء له في لعب “النرد” واحتساء أكواب الشاي. بالنسبة للرحالي، اسم مستعار، يتحدر من قلعة السراغنة، كان يملك عربة لنقل السلع، لكنه اضطر بسبب ظروف صحية إلى التخلي عن هذه المهنة. يعيش حاليا على مساعدات بعض زملائه وتجار عاشرهم طويلا. يحل بالسوق والكل يجود عليه بمبلغ مالي.
عيوب هذه المهنة، أن لا مستقبل لها، يؤكد الرحالي، والدليل حسب قوله:” أنني أتسول مصروفي اليومي من المحسنين. صحيح أنني أكري عربتي لشخص آخر لكن بمبلغ زهيد”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى