fbpx
مجتمع

“الخبز الكارم” … الصدقة تتحول إلى تجارة

تقدمه الأسر مجانا ليباع لمحلات تجمعه قبل أن يتحول إلى أعلاف للماشية

يجوب منذ الساعات الأولى من كل يوم أشخاص من مختلف الأعمار الأزقة والشوارع وتتعالى أصواتهم من أجل الحصول على ما تبقى من الخبز لدى الأسر، وغالبا ما لا يرجعون خاليي الوفاض، إذ لا يخلو بيت من «الخبز الكارم»،  الذي يحتفظ به إلى حين مرور هؤلاء الأشخاص، فالخبز يعتب “مقدسا” بالنسبة إلى كل الأسر المغربية، إذ يعتبر من غير المقبول إلقاء الخبز في القمامة، وتعتبر الأسر تقديم هذه
البقايا إلى طالبيها صدقة، لكنها تتحول بعد ذلك إلى تجارة مربحة للمتاجرين فيها، ومصدر لجامعيها من الأسر.

أصبح جمع بقايا الخبز (الخبز الكارم) تجارة قائمة بذاتها، تشغل عددا من اليد العاملة ابتداء من الأشخاص الذين يجوبون باكرا مختلف الأزقة والأحياء، من أجل جمع ما يتبقى من الخبز لدى الأسر، التي تقدم هذه البقايا مجانا لجامعيها، وانطلاقا من هذه الحلقة تتحول العملية إلى تجارة مدرة للدخل.

ويشكل الأشخاص، الذين يجمعون الخبز المتبقى في المنازل، الحلقة الأولى في السلسلة التجارية، إذ بعد عملية الجمع التي تنطلق في الصباح الباكر وتستمر إلى غاية الحادية عشر صباحا، يتوجه جامعو الخبز بالكميات التي توفرت لديهم إلى المحلات المختصة في هذه التجارة، وغالبا ما لا تقتصر فقط على اقتناء وإعادة بيع الخبز، بل تنوع هذه المحلات تجارتها، بشراء الأدوات المستعملة، خاصة تلك التي يعاد تصنيعها مثل القنينات الفارغة والكارتون المستعمل والصحف ومجموعة من المواد الأخرى.

يقول إبراهيم،أحد الشباب الذين يتعاطون لهذه الحرفة إن الأسعار تختلف حسب الطلب، موضحا، في هذا السياق، أن بيع بقايا الخبز كان ينحصر على محلات شراء المواد المستعملة، لكن خلال السنوات الأخيرة ومع ارتفاع أسعار الأعلاف، أصبح الطلب عليها يتزايد من طرف مربي الماشية ما يجعل أسعارها ترتفع. لكن، ودون أن يكشف الثمن الذي يبيع به ما يجمعه من بقايا الخبز، أكد إبراهيم أن دخله اليومي يتراوح ما بين 70و90 درهما، مشيرا، في الوقت نفسه، إلى أنه لا يكتفي فقط بالخبز المتبقي لدى الأسر، ولكن يجمع، أيضا، المواد المستعملة، التي غالبا ما يلقى بها في القمامة، مثل قنينات البلاستيك والزجاج والأسلاك النحاسية ومختلف أنواع الورق.

ويقطع إبراهيم كيلومترات عبر تجوله بمختلف الأزقة والأحياء بالمدينة، من أجل جمع أكبر كمية ممكنة لضمان دخل محترم، وعندما لا يتوفق في الوصول إلى الكميات المطلوبة يضطر إلى جمع نفايات أخرى مثل قنينات الزجاج وأسلاك النحاس، التي تعتبر من المواد ذات السعر المرتفع والمطلوبة لدى محلات جمع النفايات التي يعاد استعمالها. وغالبا ما يفضل إبراهيم العمل في الأحياء الشعبية، نظرا لأن سكان هذه الأحياء يتعاطفون مع جامعي بقايا الخبز، إذ يعتبرون ذلك صدقة، في حين أن الأحياء الراقية غالبا ما يكون استهلاكهم عقلانيا لمادة الخبز، إذ يكتفون بحاجياتهم، وغالبا ما لا تتوفر لدى هذه الأسر بقايا الخبز.

وإذ كان جمع بقايا الخبز يعتبر نشاطا تكميليا بالنسبة إلى الذين يبحثون عنها بالمجان لدى الأسر، فإنها تمثل مصدرا هاما للدخل للذين يحترفون هذا النشاط، إذ يقتنون بقايا الخبز من الذين يحصلون عليه من الأسر بالمجان، بأسعار تتراوح بين 70 و 80 سنتيما للكيلوغرام، كما أخبر بذلك عبد الله ساجد، أحد الذين يجمعون بقايا الخبز لإعادة بيعها للتجار بالجملة أو إلى مربي الماشية مباشرة، إذ يعيدون بيع ما جمعه بأسعار تتراوح بين 1.30 و 1.50 درهم للكيلوغرام، ما يسمح لهم بتحقيق هامش ربح لا بأس به، سيما أن الكميات المسوقة تقدر بآلاف الأطنان. فهناك شاحنات تأتي كل يوم لأحد المحلات بالدار البيضاء، حسب ما أفاد به بعض السكان الذين يسكنون بالجوار، لتملأ ببقايا الخبز. وهناك بعض المحلات، خاصة تلك القريبة من تجمعات السكن العشوائي أو دور الصفيح، التي تجمع في اليوم الواحد ما بين طن و 3 أطنان.

وتتوجه هذه الشاحنات إلى بعض الأسواق المعروفة بتسويق «الخبز الكارم»، خاصة في الأقاليم الشرقية، حيث يقبل مربو الماشية على هذه الأسواق من أجل اقتناء كميات كبيرة من بقايا الخبز لتقديمها إلى قطيعهم، خاصة عندما يرتفع سعر الأعلاف، ومنهم من يستعين بالخبز ليمزجها مع الأعلاف.

وأمام الإقبال المتزايد على هذه النوعية من الخبز، أصبح ممتهنو هذه التجارة لا يكتفون بما يحمله إليهم الأشخاص، الذين يجمعون بقايا الخبز من الأسر، بل يربكون علاقات مع المخابز لجمع كميات الخبز، التي لا تتمكن المخابز من تسويقها، وتلك التي يرجعها الباعة إلى المخابز. وقدر أحد أصحاب المخابز الكميات التي تصرفها مختلف محلات إنتاج الخبز بمآت الأطنان، وذلك على مستوى الدار البيضاء فقط، أما على مستوى المغرب، فإن الكميات تقدر بآلاف الأطنان.

أحد أصحاب المخابز علق على الكميات الكبيرة، التي يتم جمعها من «الخبز الكارم»، بالقول إنه من الصعب الحديث عن أزمة غذاء بالمغرب، ما دامت الأسر المغربية تتخلى عن أطنان من الخبز، ما يعني أنها تقتني أو تخبز أكثر من حاجياتها، مضيفا أنه يتعين على الجهات المسؤولة تنظيم حملة من أجل تحسيس الأسر لعقلنة استهلاكها لهذه المادة، سيما أن أسعار الحبوب تعرف ارتفاعا ملحوظا في الأسواق العالمية، وأصبحت واردات القمح تمثل نزيفا لميزان المدفوعات بالمغرب.

بالمقابل ما دام هناك فائض من مادة الخبز، فإن فرص الشغل ستظل متاحة للعديد من الشباب وممتهني هذه الحرفة، سيما أنها لا تتطلب رأسمال، بل يتعين فقط التوفر على عربة صغيرة مدفوعة وتحمل أعباء البحث عن بقايا الخبز لدى الأسر لتؤمن دخلا يوميا، رغم تواضعه، فإنه على الأقل يضمن جزءا من المصاريف اليومية لهؤلاء الأشخاص، كما أن الكميات المجمعة تساعد مربي الماشية على تأمين العلف لقطعانهم، خاصة في وقت الخصاص، الذي ترتفع فيه أسعار الأعلاف ويقل الكلء، علما أن أسعار بقايا الخبز تعرف ارتفاعا أيضا، عندما يكثر الطلب عليها من طرف المربين.

ويرى بعض المتخصصين في مختبرات التحليل أن إطعام القطيع ببقايا الخبز يشكل خطرا على سلامة الماشية، إذ أنها تتضمن بعض الطفيليات السامة التي يمكن أن تؤثر على الماشية، وأن تنتقل إلى الإنسان عن طريق استهلاكه للحومها، علما أنها لا تخضع للمراقبة. وإذا كانت هذه المخاطر ما تزال غير مؤكدة على أرض الواقع، فإن الأكيد أن الخبز الكارم يمثل مصدر رزق للعديد من الأشخاص، عبر مختلف الحلقات التي تقطعها قبل وصوله إلى المستهلك النهائي، أي قطيع الماشية.

عبد الواحد كنفاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق