شركة مزيفة أسقطت 40 مقاولة وأخرى استغلت غطاءها القانوني لتهريب المخدرات برزت في السنوات الأخيرة، بمجالات التجارة والاستثمار، أساليب إجرامية أكثر تعقيدا وتنظيما، ولم تعد تعتمد على الأفراد أو الشبكات السرية، بل وجدت في إنشاء شركات وهمية ومقاولات صورية وسيلة لإخفاء أنشطتها وإضفاء مظهر قانوني على معاملاتها، إذ أصبح استغلال الشخصية الاعتبارية للمقاولة أحد أبرز الأساليب المستعملة لتنفيذ معاملات تجارية مشبوهة تعتمد على النصب والاحتيال، ما جعل هذا الأسلوب الإجرامي يفرض نفسه ويحظى باهتمام متزايد لدى مصالح البحث والتحقيق. وتكشف القضايا التي عالجتها المصالح الأمنية والقضائية بمنطقة الشمال، أن استغلال الشركات والمقاولات في أنشطة غير مشروعة لم يعد يقتصر على نمط إجرامي واحد، بل امتد ليشمل مجالات متعددة، تتراوح بين تنفيذ معاملات تجارية مشبوهة والإيقاع بالضحايا بوسائل احتيالية، وبين استغلال شركات تشتغل ظاهريا في نشاط النقل أو الاستيراد والتصدير في عمليات مرتبطة بالتهريب الدولي للمخدرات. احتيال محكم استغلت شبكة إجرامية شركة وهمية بطنجة واجهة لممارسة أنشطة تجارية صورية، بعدما اتخذت من مكتب مستأجر بوسط المدينة مقرا لها، ونجحت في إيهام عشرات المقاولات بأنها فاعل اقتصادي يمارس معاملات اعتيادية، واستقبلت بمكتبها، الذي جهز بطريقة احترافية لم تترك أي شكوك لدى المتعاملين معها، ممثلي عدد من الشركات وأبرمت معهم صفقات لاقتناء سلع وبضائع متنوعة، في ظروف بدت في ظاهرها قانونية ولا تختلف عن باقي المعاملات التجارية الجارية بين المقاولات. وخلال مدة قصيرة، تمكن أفراد الشبكة من نسج علاقات مع عدد كبير من المزودين، واقتناء كميات مهمة من السلع مقابل تسليم شيكات قدمت على أنها مضمونة وقابلة للصرف. غير أن تلك الشيكات لم تكن سوى وسيلة لكسب الوقت وضمان تسلم البضائع، قبل أن تبدأ المرحلة الثانية من المخطط، إذ كانت السلع تنقل مباشرة من مقر المكتب بواسطة شاحنات إلى وجهات مجهولة، في عمليات تتم خفية بتنسيق محكم بين أفراد الشبكة، الذين كانوا يتقاسمون الأدوار بينهم، بدءا من استدراج الضحايا وإبرام الصفقات، وصولا إلى نقل البضائع وإخفائها. ولم تكتشف المقاولات المتضررة أنها وقعت ضحية عملية احتيال مدبرة إلا بعد تقديم الشيكات إلى المؤسسات البنكية، لتفاجأ بأنها بدون مؤونة. وعند عودة مسؤوليها إلى المكتب الذي أبرمت فيه الصفقات، وجدوه مغلقا، بعدما اختفى القائمون عليه بشكل مفاجئ، تاركين وراءهم عشرات الضحايا وخسائر مالية جسيمة قدرت بحوالي 600 مليون سنتيم، توزعت على نحو أربعين مقاولة، في واحدة من أكبر قضايا الاحتيال التجاري التي شهدتها عاصمة البوغاز خلال الفترة الأخيرة. وأمام تعدد الشكايات وتشابه أسلوب التنفيذ، باشرت المصالح الأمنية، تحت إشراف النيابة العامة المختصة، أبحاثا موسعة لتحديد هوية جميع المتورطين وظروف إنشاء الشركة الوهمية، قبل أن تسفر التحريات عن إيقاف أحد المشتبه فيهم الرئيسيين، في وقت تواصل فيه الأبحاث لتعقب باقي أفراد الشبكة وكشف امتداداتها المحتملة، بينما لا تزال المقاولات المتضررة تترقب استرجاع جزء من حقوقها، بعد أن تحولت معاملات تجارية اعتيادية إلى خسائر مالية ثقيلة بسبب استغلال شركة لم يكن وجودها سوى واجهة لتنفيذ مخطط احتيالي محكم. شركات للتصدير... غطاء لتهريب المخدرات لم يقتصر استغلال الشركات الوهمية أو الصورية على تنفيذ عمليات نصب واحتيال في المعاملات التجارية، بل امتد إلى شبكات التهريب الدولي للمخدرات، التي أصبحت بدورها تعتمد على إنشاء شركات للنقل أو الاستيراد والتصدير، لإضفاء طابع قانوني على أنشطتها غير المشروعة وتسهيل مرور شحناتها عبر المعابر الحدودية. ومن أبرز القضايا التي كشفت هذا الأسلوب، شركة متخصصة في صناعة الصباغة بمدينة طنجة، التي استغلت إطارها القانوني في أنشطة التهريب الدولي للمخدرات، قبل أن تسقط في قبضة المصالح الأمنية والجمركية بميناء طنجة المتوسط، التي تمكنت من حجز ما يقارب خمسة أطنان من مخدر "الشيرا"، بعدما اكتشفتها معبأة بعناية داخل براميل الصباغة في حاوية معدة للشحن نحو إحدى الدول الإفريقية، تمهيدا لإعادة توجيهها إلى أوربا. وتوالت بعد ذلك قضايا كشفت اعتماد شبكات التهريب الدولي على الشركات التجارية غطاء لأنشطتها، بعد أن ضبطت عناصر الجمارك بالميناء المتوسطي شحنة من مخدر "الشيرا" مخبأة وسط أكياس من الحلزون كانت معدة للتصدير إلى إسبانيا، فيما أسفرت أبحاث أخرى عن كشف معمل لإنتاج العسل السكري بالقصر الكبير استغل لإخفاء شحنات من الكوكايين داخل عبوات موجهة إلى الخارج. وتعكس هذه القضايا تحولا في أساليب الجريمة المنظمة، التي أصبحت توظف الشركات واجهات لإخفاء أنشطتها غير المشروعة، مستفيدة من المظهر القانوني الذي توفره، في تحد جديد يفرض يقظة أكبر في مراقبة المعاملات التجارية وحركة التصدير والاستيراد. المختار الرمشي (طنجة)