انخفاض معدلات الولادة يطرح تحديات تراجع الفئات النشيطة اقتصاديا يشهد المغرب تحولا ديموغرافيا عميقا يتمثل في التراجع المستمر لمعدلات الخصوبة والإنجاب، وهو تحول لم يعد مجرد معطى إحصائيا، بل أصبح ظاهرة اجتماعية واقتصادية تستحق التوقف عندها بالنظر إلى تداعياتها المستقبلية على بنية المجتمع وسوق الشغل وأنظمة الحماية الاجتماعية. فبعد عقود كان فيها المغرب يعرف معدلات ولادة مرتفعة، بدأت المؤشرات تكشف عن انخفاض ملحوظ في عدد الأطفال لكل امرأة، حيث انتقل معدل الخصوبة من مستويات كانت تتجاوز خمسة أطفال للمرأة الواحدة خلال سبعينات القرن الماضي إلى مستويات تقترب اليوم من أقل من طفلين. ويأتي هذا التحول نتيجة تفاعل عدد من العوامل المتشابكة، من بينها ارتفاع سن الزواج، وتزايد نسبة العزوبة، وتحسن مستوى تعليم النساء، وتوسع مشاركتهن في سوق الشغل، فضلا عن ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن والتعليم والتطبيب، ما جعل قرار الإنجاب يخضع لحسابات اقتصادية واجتماعية أكثر تعقيدا من السابق. كما أن التحولات الثقافية التي عرفها المجتمع المغربي، وتغير أنماط الحياة داخل المدن، وصعود النزعة الفردية لدى الأجيال الجديدة، ساهمت بدورها في إعادة تشكيل تصور الأسرة وحجمها، حيث لم يعد إنجاب عدد كبير من الأطفال يمثل أولوية لدى فئات واسعة من الشباب. غير أن هذا التراجع، رغم ما يحمله من مؤشرات مرتبطة بتطور المجتمع وتحسن بعض المؤشرات الاجتماعية، يطرح في المقابل تحديات كبرى على المدى المتوسط والبعيد. فاستمرار انخفاض الخصوبة قد يؤدي إلى شيخوخة السكان وتراجع حجم الفئة النشيطة اقتصاديا، وهو ما قد ينعكس على الإنتاجية والنمو الاقتصادي ويزيد الضغط على صناديق التقاعد ومنظومات الحماية الاجتماعية. في هذا الملف، نحاول استكشاف خريطة التحولات الديموغرافية بالمغرب، والوقوف عند الأسباب الحقيقية وراء تراجع الخصوبة، واستقراء انعكاساتها المستقبلية، من خلال آراء خبراء في الاقتصاد وعلم الاجتماع والديموغرافيا، لفهم واحدة من أبرز الظواهر التي ستحدد ملامح المغرب خلال العقود المقبلة. إيمان رضيف