إصدار يمد جسورا شعرية بين ثقافات العالم صدر حديثا عن برشلونة الأدبية ومنشورات الأطلس للثقافة والإبداع كتاب شعري جديد يحمل عنوان «تراب ينطق شعرا»، أنجزه الشاعر والمترجم المغربي المقيم بإسبانيا حسن يارتي، في تجربة أدبية تسعى إلى مد جسور التواصل بين الثقافة العربية وتجارب شعرية من مختلف أنحاء العالم. ويقدم هذا العمل للقارئ العربي مختارات شعرية تضم ثمانين شاعرا وشاعرة من قارات متعددة، جرى اختيار نصوصهم وفق رؤية جمالية وإنسانية تراهن على قوة الشعر في التعبير عن المشترك الإنساني، بعيدا عن الحدود الجغرافية واختلاف اللغات. ولم يقتصر دور حسن يارتي على جمع النصوص وترتيبها، بل تولى أيضا ترجمة جزء مهم منها، بأسلوب يحافظ على روح القصيدة الأصلية ويمنحها في الوقت نفسه نفسا عربيا سلسا وقريبا من القارئ. ويحمل عنوان الكتاب دلالة عميقة، إذ يبدو «تراب ينطق شعرا» تعبيراعن إيمان المترجم بأن الشعر لا يولد في الفراغ، بل ينبع من تفاصيل الحياة اليومية ومن تجارب الإنسان البسيطة والمعقدة في أن واحد. فالقصائد المختارة تنفتح على قضايا الحب والمنفى والذاكرة والحرب والأمل والحرية، وتجعل القارئ يشعر بأن الألم الإنساني واحد مهما اختلفت الأوطان والثقافات. ومن بين الجوانب المميزة في هذا الإصدار، حضور أسماء شعرية مغربية إلى جانب أصوات عالمية، في محاولة لخلق حوار ثقافي مفتوح بين التجربة المحلية والتجارب الشعرية الكونية. هذا التداخل يمنح الكتاب بعدا معرفيا إضافيا، ويجعل منه مادة مهمة للباحثين والمهتمين بالترجمة الأدبية والدراسات الثقافية المقارنة. كما يكشف العمل عن وعي نقدي واضح لدى معده، من خلال اختيارات لا تعتمد فقط على شهرة الشعراء، بل على القيمة الفنية للنصوص وقدرتها على إثارة الدهشة والتأمل. لذلك تبدو المختارات متنوعة من حيث الأساليب والرؤى، حيث تتجاور القصيدة التأملية مع النصوص الحديثة المشبعة بروح التمرد والأسئلة الوجودية. ويأتي صدور هذا الكتاب في سياق الحاجة المتزايدة إلى ترجمات أدبية جادة تعرف القارئ العربي بالشعر العالمي، بعيدا عن الترجمات الحرفية الجافة التي تفقد النص روحه وإيقاعه. فالترجمة الشعرية، كما يقدمها حسن يارتي، ليست عملية نقل لغوي فقط، بل فعل إبداعي يتطلب حس الشاعر ودقة المترجم في آن واحد. ولا يخاطب الكتاب القارئ العادي فقط، بل يهم أيضا الطلبة والأساتذة والمترجمين والمهتمين بالأدب المقارن، باعتباره نموذج اعمليا لكيفية انتقال القصيدة من لغة إلى أخرى دون أن تفقد بعدها الجمالي والإنساني. فكل نص داخل هذا العمل يشكل نافذة على ثقافة مختلفة، وفرصة لاكتشاف كيف يمكن للشعر أن يتحول إلى لغة عالمية مشتركة بين البشر. وفي زمن أصبحت فيه النصوص سريعة الاستهلاك، يأتي كتاب "تراب ينطق شعرا" ليعيد الاعتبار لفعل القراءة العميقة، وليؤكد أن الشعر ما زال قادرا على ملامسة الإنسان في جوهره، وأن الترجمة الجيدة تستطيع أن تهدم الحواجز وتعيد بناء جسور التلاقي بين الثقافات والشعوب. أحمد سكاب (الجديدة)