الاستغلال السياسي للمهرجانات لم تنقطع عملية تنظيم المواسم الدينية وبعدها المهرجانات الغنائية عن الاستغلال السياسي. كيف بدأت؟ وماهي أهدافها؟ > إن قضية تدبير المواسم بالمغرب كانت عادة قديمة جدا، متعلقة بالأمور الدينية ومرتبطة ببعض الأضرحة والزوايا حسب المناسبات، ووفق الظرفية السياسية والاجتماعية، لذلك احتفل بها المغاربة بحماس شديد في بدايتها، وحققوا من خلالها صلة الرحم، وتعزيز لحمة التعاون، والتآزر، والتواصل، وتبادل الأفكار بين المشاركين والحاضرين. وكانت كل قبيلة تحتفل بالمواسم الدينية، حينما كان المجتمع المغربي مشكلا من إطار هيكلي قبلي، واستمر تنظيمها حتى بعد تغير النظام السياسي والمؤسساتي والجماعي والترابي، وأسوق مثالا على ذلك بالأضرحة المعروفة مثل مولاي عبد الله أمغار بإقليم الجديدة، ومولاي عبد السلام بن مشيش في جبل العلم بشمال المغرب. وتم تشجيع القبائل على احتضان هذا النوع من المواسم لأجل ترسيخ العلاقة الروحية بين الأفراد، والترويج للموارد الفلاحية، والصناعة التقليدية المحلية، فتحولت المواسم إلى أسواق يتم عبرها ترويج كل ما تضمه المناطق القديمة والبعيدة من منتجات. رغم أن القبائل ومعها السلطات حرصت على إبعاد المقدس، من المدنس التجاري، إلا أن الفاعل الترابي يستغل ذلك سياسيا وتجاريا، ما هو تعليقك على هذا الأمر؟ > صحيح ما قلته في السؤال، إذ حافظت المواسم الدينية على طابعها المقدس، ومع ذلك سمحت بهوامش لتحريك التجارة البسيطة المرتبطة بالصناعة التقليدية، وكل ما له علاقة بالإنتاج المحلي الخالص، إضافة إلى بيع التمور والحلويات. ومع تطور العمل المؤسساتي، تغيرت مظاهر ضواحي الأضرحة، وأضحت أكثر تنظيما عبر تنزيل سياسة جديدة في المجال التجاري، كما حصل في جبل العلم بشمال المغرب، إذ تم إنشاء سوق بمحلات تجارية ومحلات الأكل، ليؤثر ذلك على مسار التوجه الروحاني الصرف، لتحقيق الهدف التجاري، وهو ما تفاعل معه المواطنون بشكل عاد، وأدمجوه في سلوكهم دون تمييز بين ما هو روحي، وما هو تجاري منظم، ومهيكل بواسطة تدخل السلطات والمنتخبين. هناك تحول نحو الانتقال من عملية تنظيم المواسم إلى المهرجانات الغنائية، هل استغلها السياسيون، خاصة في المجال الانتخابي؟ > دخلت المهرجانات الغنائية الفضاء العام، وأخذت طابعا فنيا غير طابعها الروحي، وتحولت إلى فرجة من نوع آخر، عبر تعبئة التجمعات البشرية التي يتم استغلالها فنيا وسياحيا، وحتى سياسيا عبر مشاركة مكثفة للجماعات الحضرية، والشركات المستشهرة. وخاضت الجماعات المحلية الحضرية، سباقا لأجل استقطاب المهرجانات الغنائية، قصد الترويج السياحي، والإعلامي، والتعريف بالمنطقة لكي تأخذ مكانة بين المجموعات الحضرية كي تكون متميزة. ودخلت الأحزاب السياسية فضاء المهرجانات الغنائية من بابها الواسع، ما سهل تحرك المتحزبين والمنتخبين لخوض حملات انتخابية سابقة لأوانها، لهذا جرى تنافس شرس بين الأحزاب لاستقطاب المطربين والمطربات الحائزين على الشهرة وسط المجتمع، لأجل تنشيط المناخ الترفيهي، وفي آن واحد رفع عدد الحاضرين، ما يعني بطريقة غير مباشرة، استثمار المهرجانات الفنية لتحقيق غايات سياسية واضحة. ويمكن إجراء مقارنة بين تنظيم المهرجانات الحالية بالمواسم، وببرنامج "سباق المدن" الذي سهر على تنظيمه الراحل إدريس البصري، لاكتشاف المواهب وفي الوقت نفسه العمل على تهدئة نفوس المواطنين وجرهم لفضاء الترفيه، إذ راهنوا على الفنانين الأكثر شهرة لاستغلالهم أوراقا انتخابية، وبذلك استولت السياسة على المهرجانات، فمد السياسي يده إليها، ووجد منفعة مادية ومعنوية، والطريق سالكا لاستقطاب الأصوات، واستغلال جهل الناس، والتعاطف مع المطربين والمطربات لأجل حصد الأصوات، وهي عملية تدخل في نطاق الدعاية، لتحقيق الأهداف المرجوة. أجرى الحوار: أحمد الأرقام * أستاذ باحث في علم الاجتماع