موقعها الإستراتيجي جعلها منفذا لعمليات شبكات الهجرة السرية وعصابات خطيرة تقع إمسوان، على امتداد ساحلي هادئ يجمع بين الجبال المنحدرة بلطف نحو المحيط الأطلسي وأمواج قوية جعلت منها واحدة من أبرز الوجهات السياحية شمال أكادير. فهذه القرية الصغيرة اكتسبت خلال السنوات الأخيرة شهرة واسعة لدى السياح المغاربة والأجانب، خصوصا عشاق ركوب الأمواج والباحثين عن فضاءات طبيعية تجمع بين الصفاء والهدوء، غير أن هذه الصورة السياحية المشرقة لم تعد وحدها التي تطبع هوية المكان، إذ بدأت في السنوات الأخيرة تتقاطع مع واقع مقلق يرتبط بتحول بعض السواحل التابعة لها إلى فضاءات تستغلها شبكات إجرامية عابرة للحدود في أنشطة غير قانونية، أبرزها تهريب المخدرات والهجرة غير النظامية عبر البحر. فبين الجاذبية الطبيعية التي تمنح إمسوان إشعاعها السياحي، والامتداد الساحلي المفتوح الذي يميزها، بدأت تتشكل معالم تناقض صارخ بين ما هو سياحي وما هو أمني، في ظل استغلال بعض النقاط المعزولة من شواطئها في عمليات سرية تتم تحت جنح الظلام، ما جعل المنطقة تثير اهتماما متزايدا لدى المتتبعين والفاعلين في المجال الأمني. يكتسي الموقع الإستراتيجي لإمسوان أهمية بالغة في تفسير هذا التحول، إذ تقع القرية على واجهة أطلسية مفتوحة تمتد نحو مسارات بحرية تؤدي إلى جزر الكناري، ما جعلها ضمن المناطق التي تعيد شبكات الهجرة غير النظامية توجيه أنشطتها نحوها خلال السنوات الأخيرة، فبعد تضييق الخناق على هذه الشبكات في مسارات أخرى، خاصة عبر البحر الأبيض المتوسط، بدأت في البحث عن منافذ جديدة أكثر مرونة وأقل مراقبة نسبيا، وهو ما جعل السواحل الأطلسية، ومنها سواحل شمال أكادير، ضمن خريطة التحركات الجديدة لهذه التنظيمات. وتشير معطيات ميدانية إلى أن هذه الشبكات تستغل طبيعة الساحل الوعرة وتعدد مداخله الصغيرة لتنظيم عمليات انطلاق نحو جزر الكناري، باستعمال قوارب مطاطية سريعة وأحيانا قوارب صيد تقليدية يتم توظيفها بشكل غير قانوني، وغالبا ما تتم هذه الرحلات في ظروف بحرية صعبة، حيث لا يتم احترام أدنى شروط السلامة، مما يجعلها مغامرات محفوفة بالمخاطر، تنتهي في كثير من الأحيان بكوارث إنسانية في عرض البحر. تهريب دولي للمخدرات كما أن هذا التحول لم يقتصر على الهجرة غير النظامية فقط، بل امتد ليشمل أيضا أنشطة مرتبطة بالتهريب الدولي للمخدرات، حيث يجري الحديث عن شبكات منظمة تعتمد على السواحل الشمالية لأكادير كنقاط انطلاق أو عبور نحو الضفة الأخرى، وتعمل هذه الشبكات بأساليب معقدة تقوم على التنسيق بين عناصر ميدانية على الشاطئ وأخرى في البحر، مع الاستعانة بقوارب سريعة أو تقليدية لنقل الشحنات بعيدا عن أعين المراقبة. وسبق لعناصر الدرك الملكي بسرية أكادير،أن تمكنت في أكثر من عملية من إحباط محاولات تهريب كميات مهمة من مخدر الشيرا شمال أكادير، إضافة إلى إيقاف عدد من المشتبه فيهم الذين يشتبه في ارتباطهم بشبكات منظمة تنشط في هذا المجال، كما تم تقديم عدد من المتورطين إلى العدالة،وحكم على قائد مركز الدرك الملكي بتغازوت المساعد الأول (أجودان)، بسبع سنوات، لتورطه في الاتجار الدولي للمخدرات. "الدرون" لمحاربة الجريمة برزت مقاربة أمنية جديدة تعتمد على توظيف التكنولوجيا الحديثة، حيث تم تعزيز تدخلات الدرك الملكي على مستوى السواحل الشمالية لأكادير، خصوصا بالمناطق التابعة لجماعة تامري، عبر استخدام طائرات بدون طيار "درون" متطورة، قادرة على تغطية مساحات واسعة من الساحل في وقت وجيز، ورصد أي تحركات مشبوهة بدقة عالية. وتعمل هذه الطائرات على مراقبة المناطق الوعرة والمسالك الساحلية التي يصعب الوصول إليها عبر الدوريات التقليدية، ما يمنح الأجهزة الأمنية قدرة أكبر على التدخل الاستباقي، وتتميز هذه الوسائل التقنية بكاميرات عالية الدقة، مزودة بخاصية الرؤية الليلية، إضافة إلى أنظمة تحديد المواقع، ما يسمح بتتبع الأهداف في الزمن الحقيقي وتوجيه الفرق الميدانية نحو النقاط التي يتم رصدها بشكل فوري. ويرى متتبعون أن اعتماد هذه التكنولوجيا يعكس تحولا نوعيا في آليات العمل الأمني، حيث لم يعد التدخل يقتصر على المراقبة الميدانية التقليدية، بل أصبح يعتمد على دمج الوسائل الجوية والرقمية لتعزيز فعالية التدخلات، خصوصا في المناطق الساحلية التي تشكل تحديا أمنيا بسبب اتساعها وصعوبة ضبطها بشكل كامل. وتتواصل في هذا الإطار عمليات الانتشار الميداني لعناصر الدرك الملكي بالتوازي مع المراقبة الجوية، ضمن خطة أمنية محكمة تهدف إلى تضييق الخناق على مختلف الأنشطة غير القانونية، سواء تعلق الأمر بالهجرة غير النظامية أو بالتهريب الدولي للمخدرات، مع السعي إلى تعزيز الشعور بالأمن لدى السكان وحماية المجال الساحلي من أي استغلال إجرامي. مطالب السكان مقابل هذه الجهود الأمنية، حذرت فعاليات محلية من تنامي عوامل اجتماعية واقتصادية، أبرزها ارتفاع معدلات البطالة وتراجع فرص الشغل في مناطق شمال أكادير، وهي عوامل تعتبرها هذه الفعاليات بيئة خصبة تستغلها الشبكات الإجرامية لاستقطاب الشباب نحو مغامرات غير محسوبة العواقب. كما تشير هذه الفعاليات إلى أن بعض السواحل الممتدة، بما فيها مناطق شمال أكادير، تحولت إلى نقاط عبور نحو "الحلم الأوربي" المزعوم، في حين أن الواقع يعكس مسارات محفوفة بالموت في عرض البحر، نتيجة عمليات تهريب غير منظمة تقودها شبكات لا يهمها سوى الربح السريع، دون أي اعتبار للمخاطر الإنسانية أو الاجتماعية التي تترتب عن ذلك. عبد الجليل شاهي (أكادير)