عقوبات بلا جدوى ورحيوي: المسؤولية مشتركة والسجن يولد التطرف والعدوانية لا يخلو أي موسم كروي من فوضى وشغب في الملاعب يؤثران على منافسة البطولات وسلامة اللاعبين والجمهور، بغض النظر عن المجهودات المبذولة للحد من الظاهرة. ورغم تشديد الإجراءات الأمنية وتحريك المتابعات القضائية، تستمر أعمال الشغب في تهديد الاستقرار العام، وكأن القوانين المعمول بها لم تجد نفعا. وينص القانون 09.09، المصادق عليه لمكافحة العنف في الملاعب، على عقوبات تتراوح بين الحبس والغرامات لكل من يحمل أسلحة أو مواد قابلة للاشتعال، أو يحضر في حالة سكر أو تحت تأثير المخدرات. كما يجرم الاعتداء على المواطنين ورجال الأمن وتخريب الممتلكات العامة والخاصة. لكن، يظل التطبيق العملي لهذه العقوبات محدودا، وغالبا ما يكتف باحتجاز المعنيين لساعات أو يومين فقط، قبل الإفراج عنهم. وتؤكد الوقائع، التي تابعتها "الصباح" في عدة مناسبات، أن المقاربة القانونية والأمنية وحدها لم تضع حدا لفوضى الملاعب في الكثير من الملاعب. فالشهب الاصطناعية والمفرقعات التي تدخل الملاعب بسهولة، رغم الحظر الصريح، تسبب أضرارا جسدية ومادية، سواء للاعبين أو الجمهور، أو حتى رجال الأمن، الذين لم يسلموا من الاعتداءات الجسدية بين الفينة والأخرى. ومن الواضح أن بعض الثغرات التنظيمية، مثل التفتيش غير الصارم عند المداخل، أو بيع هذه المواد في الأسواق، تساهم في استمرار الظاهرة، بالنظر إلى استغلال بعض المشجعين وسائل التواصل الاجتماعي لنشر الحسابات الوهمية والأخبار المضللة، ما أضفى أجواء أكثر احتقانا بالمدرجات. ولم تعد الأعمال العنيفة مقتصرة على أرض الملعب فقط، بل امتدت لتشمل التأثير على المسيرين واللاعبين وتشويه سمعة الأندية. ويرى عدد من الخبراء أن المشكل صار أعمق من مجرد تفعيل القوانين المتعلقة بالعقوبات. وأكد عبد العزيز رحيوي، خبير في إستراتيجية الأمن والدفاع، أن العقوبات الحبسية تولد المزيد من العنف، وأكثر من ذلك تخرج الشباب أكثر تطرفا وعدوانية. وأضاف رحيوي في تصريح لـ"الصباح" أن المقاربة الأمنية لا تكفي لوحدها للحد من الظاهرة. وتابع: "يجب التفكير في الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والتربوية للشباب. السجن في هذه الحالات يصيبهم بالإحباط ويجعلهم أكثر قسوة من ذي قبل، فيما الحرمان من المباريات والغرامات المالية أثبتت فعاليتها في دول أوربية". وكشف رحيوي أن شغب الملاعب مسؤولية مشتركة، تشمل الأسرة والمدرسة والمجتمع، وليس أجهزة الأمن أو القانون وحدها. فغياب متنفس للشباب وإحساسهم بعدم العدالة يدفعهم إلى التعبير عن طاقاتهم في المدرجات، حيث يتحول التشجيع أحيانا إلى عنف وفوضى تصعب السيطرة عليهم، يقول المتحدث نفسه. ويبقى السؤال المطروح متى تصبح الملاعب الوطنية فضاءات آمنة للتشجيع والاستمتاع بأجواء وطقوس كرة القدم، بعيدا عن العنف والترهيب، ولن يتحقق ذلك إلا بتفعيل العقوبات بطرق فعالة، مع أن القانون وحده، مهما تشدد، لن يكونون كافيا ما لم تواكبه برامج تربوية واجتماعية ونفسية حقيقية للشباب. عيسى الكامحي