المخيمات تدار بمنطق توازنات بدائية ترحل فيها الأزمات ولا تحل بقلم: الفاضل الرقيبي تشهد مخيمات تندوف، في الآونة الأخيرة، حملة جديدة من الاعتقالات التي تطول المدونين وقادة الرأي، في مشهد يكشف مرة أخرى الطبيعة الحقيقية لتنظيم "بوليساريو" وقيادة الرابوني، اللذين لم يعودا قادرين على إدارة المخيمات إلا بمنطق القمع وتكميم الأفواه. فكلما انكشفت فضيحة جديدة، تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان، أو بنهب المساعدات الإنسانية، سارعت القيادة إلى معاقبة من يفضح الجريمة بدل محاسبة من ارتكبها، وكأن المطلوب من سكان المخيمات، ليس فقط أن يتحملوا البؤس والإذلال، بل أن يصمتوا أيضا على من يسرق قوتهم وأدويتهم وخيامهم، ويتاجر بمعاناتهم. وتجسد قضية اختطاف المدونين، شمام سيداتي وحيداد كبادي، لحظة أخرى تعري واقع الانتهاكات المتواصلة للحقوق والحريات بالمخيمات، فبعدما قاما بنشر معطيات تفيد سرقة عشرات الخيام ومساعدات أخرى وفرها الجيش الجزائري لفائدة المتضررين من الفيضانات، التي ضربت المخيمات خلال الأسبوع الماضي، سارعت قيادة الرابوني، التي تعيش حالة غير مسبوقة من الترهل التنظيمي، إلى اعتقال المدونين وإخضاعهما للتحقيق لساعات طويلة تخللته صنوف من التعذيب الجسدي والنفسي، ولم تفرج عنهما إلا في إطار تسوية هشة فرضتها تدخلات قبلية، تضمن تكميم أفواه المدونين والتزامهم الصمت وعدم العودة إلى النشر، ما يؤكد أن المخيمات تدار بمنطق توازنات بدائية ترحل فيها الأزمات ولا تحل، ويشترى فيها الصمت بدل إحقاق العدالة. والأخطر من ذلك أنه، خلال عرضهما على ما يسمى الوكيل العسكري، تم تهديدهما بإحالتهما على الجيش الجزائري في حال تكرار الكتابة، ما يكشف أن قيادة الرابوني لا تكتفي بالترهيب الداخلي، بل تستقوي صراحة بسلطة العسكر الجزائري لإخضاع سكان المخيمات وإفهامهم أن سقف الكلام مرسوم بالخوف لا بالحق. وتتضح دلالة هذه الواقعة أكثر حين نعلم أن الشكوى التي وقع إثرها الاعتقال، جاءت من القيادي محمد الشيخ أمغيزلات، الذي يشغل منصب ما يسمى "والي ولاية الداخلة" بمخيمات لحمادة، ما يؤكد أن الأمر لا يتعلق برد فعل معزول أو شطط فردي، بل بسلوك ممنهج تمارسه قيادة الرابوني، التي تعيش على قمع الصحراويين الذين تزعم تمثيلهم. فحين يتحول مسؤول سياسي إلى أداة لملاحقة المدونين، بدل سارقي المساعدات، فإن ذلك يكشف بجلاء طبيعة الأولويات داخل الرابوني، والتي تتلخص في حماية شبكة التهريب التي تسمي نفسها قيادة. وهذه في الواقع حلقة إضافية في مسار ابتدأ منذ تولي إبراهيم غالي قيادة "بوليساريو"، حيث تصاعدت حالات الاعتقال والاختطاف والتضييق على الصحافيين والمدونين وكل من يجرؤ على كسر جدار الصمت، وهو ما يعيد إلى الأذهان حادثة اختطاف الشاب ماء العينين سالم ولد اسويد، على الطريق البرية الرابطة بين المخيمات وتندوف، تحت أنظار عناصر حرس الحدود الجزائريين والزج به، لقرابة شهرين، بأحد السجون السرية، بعد توثيقه، بالصوت والصورة، عملية اعتراض شباب صحراويين لشاحنة صهريجية محملة بالوقود المهرب من قبل القيادي سالم لبصير، وهي في طريقها إلى شمال موريتانيا لبيعه هناك. وإذا كان استهداف المدونين وقادة الرأي يكشف الوجه القمعي اليومي لقيادة الرابوني، فإن الصورة الأوسع لوضعية حقوق الإنسان داخل المخيمات تبدو أكثر قتامة وخطورة، خصوصا مع تواتر حالات الاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري والقتل خارج نطاق القانون، التي ظلت ترتكب على امتداد سنوات طويلة في مناخ يسود فيه الإفلات من العقاب. فقد تحولت المخيمات إلى فضاء تنتهك فيه الحقوق الأساسية للصحراويين، بعيدا عن أعين المنتظم الدولي. فكل من يحاول كسر جدار الصمت، أو يجرؤ على التماس مورد عيش خارج أسوار هذا السجن المفتوح ينضاف إلى سجل طويل وموجع لضحايا الاختفاء القسري، الذين ابتلعتهم حفر الموت، ما يجعل المخيمات فضاء لا تهدر فيه الحرية فقط، بل يستباح فيه الحق في الحياة في أبشع الصور، بمباركة مباشرة من السلطات الجزائرية، التي ما زالت تصر على التملص من تحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، المترتبة عن التزاماتها الدولية.