ضعوط اجتماعية تضعف قنوات الحوار والسلطات تؤكد قانونية تدخلاتها تتصاعد حدة التوترات الميدانية بجهة سوس ماسة، ولم تعد بعض الاحتجاجات التي شهدتها خلال السنوات الأخيرة، تقرأ فقط باعتبارها تعبيرا اجتماعيا عن مطالب محلية، بل أصبحت في عدد من الحالات موضوع تكييف قانوني صارم، بعدما تحولت من وقفات سلمية إلى أفعال توصف في محاضر الضابطة القضائية بـ"التجمهر غير المرخص"، و"مقاومة تنفيذ قرارات السلطة"، بل وأحيانا "العصيان" حين تتوفر شروطه القانونية. يشهد إقليم تيزنيت توترات متكررة على خلفية تنظيم المجال الرعوي، حيث تواجه السكان بعض الدواوير مع رعاة رحل، قبل أن تتطور الأوضاع إلى تجمهرات لمنع تنفيذ قرارات إدارية مرتبطة بتحديد مسارات الرعي أو إخلاء بعض الأراضي. وأفضت تلك الوقائع في بعض الحالات إلى تدخل القوات العمومية لتفريق المحتجين، وإيقاف عدد من الأشخاص للاشتباه في تورطهم في عرقلة تنفيذ أشغال أو قرارات صادرة عن السلطة. يؤطر القانون الجنائي المغربي هذه الأفعال بشكل واضح، إذ يعتبر التجمهر المسلح أو غيره الذي من شأنه الإخلال بالأمن العمومي فعلا مجرما، خاصة إذا رفض المشاركون الامتثال لأوامر التفرق الصادرة عن السلطات، كما أن كل مقاومة أو اعتداء يقع أثناء تنفيذ أشغال أمرت بها السلطة العامة، أو أثناء تدخل القوات العمومية، يمكن أن يكيف كجريمة قائمة بذاتها، قد تصل عقوبتها إلى الحبس والغرامة، حسب خطورة الأفعال المرتكبة. وفي إقليم اشتوكة آيت باها، برزت حالات مشابهة على خلفية الاحتجاج على استغلال الموارد المائية، حيث تحولت بعض الوقفات إلى محاولات لتعطيل أوراش فلاحية أو منع آليات من مواصلة الأشغال، كما انتهت بعض الأحداث بفتح تحقيقات قضائية، بعد تسجيل أفعال تدخل ضمن خانة "عرقلة حرية العمل" و"مقاومة أشغال مأذون بها"، وهي أفعال يعاقب عليها القانون، عندما تتم عبر التجمهر أو استعمال التهديد. أما بإقليم تارودانت، فقد سجلت وقائع مرتبطة بالاعتراض على مشاريع طرقية أو استغلال عقاري، حيث لجأت مجموعات من السكان إلى التجمهر لمنع استكمال الأشغال، معتبرة أنها تمس بمصالحهم، غير أن هذه الأفعال، وفق القراءة القانونية، قد تتحول من احتجاج مشروع إلى جنحة، إذا اقترنت بمنع فعلي لتنفيذ قرارات إدارية أو بمواجهة مباشرة مع ممثلي السلطة. وتنص المقتضيات القانونية ذات الصلة على أن العصيان يتحقق حين يكون هناك تمرد جماعي مصحوب برفض تنفيذ أوامر صادرة عن السلطة العامة، خاصة إذا تم ذلك بشكل منظم أو باستخدام وسائل ضغط ميدانية، كما أن التجمهر يصبح مشددا إذا كان مسلحا أو إذا نتجت عنه أعمال عنف أو تخريب. ويرى متتبعون أن الإشكال لا يكمن فقط في الأفعال المرتكبة، بل في السياق الذي تنتج فيه، إذ تتقاطع عوامل اجتماعية واقتصادية مع ضعف قنوات الحوار، ما يدفع بعض الفئات إلى تصعيد احتجاجها بطرق قد تضعها في مواجهة مباشرة مع القانون، في المقابل، تؤكد السلطات أن تدخلاتها تتم في إطار احترام القانون، مع الحرص على ضمان تنفيذ المشاريع العمومية وعدم تعطيلها. وتكشف هذه الوقائع عن معادلة دقيقة بين الحق في الاحتجاج، الذي يكفله الدستور، وبين ضرورة احترام النظام العام وتنفيذ القرارات الإدارية، وبين هذا وذاك، يبقى الرهان معلقا على تعزيز الوساطة المؤسساتية، وتكريس مقاربة تشاركية قادرة على امتصاص التوترات، قبل أن تتحول إلى ملفات قضائية بتهم ثقيلة، مثل العصيان والتجمهر ومقاومة تنفيذ أشغال أمرت بها السلطة العامة. عبد الجليل شاهي (أكادير)