أسرار تهريب المخدرات بين الضفتين 8 انتقلت التحقيقات السرية إلى مستوى آخر، لم تعد فيه المراقبات الليلية ولا تحركات السيارات ولا اللقاءات القصيرة كافية لفهم ما يجري داخل الشبكة التي ظلت تخفي نفسها بين السطور، لأن ما ظهر في المرحلتين السابقتين لم يكن سوى الطبقة الأقرب للأرض، أما الطبقة التي تحرك المال وتدير العلاقات وتتولى صناعة القرار، فقد بدأت ملامحها في الظهور مع تراكم الاتصالات، وتوسع التحركات بين المغرب وإسبانيا، وظهور أسماء لم تكن جزءا من المشهد الأولي، لكنها تكررت في الوثائق بشكل يوحي بأن وزنها أكبر بكثير مما بدا في الحلقات الأولى. ومع ظهور شخصية "روبيو" ازدادت الشكوك حول وجود مصدر للمعلومات داخل أحد الأجهزة، أو قربه منها، شخص لا يظهر في أي مسرح من مسارح التحركات، ولكنه يملك القدرة على تغيير مسارات عناصر الشبكة بكلمة واحدة. المصطفى صفر رصد المكالمات كشف أن التواصل بين الضفتين لم يكن مجرد تنسيق عابر ظهرت تحركات مالية داخل المغرب، خصوصا في تطوان وطنجة، كان الهدف منها، حسب قراءة الشرطة، شراء عقارات صغيرة، أو فتح محلات تجارية تستخدم واجهة فقط. وقد اتضح للمحققين أن بعض هذه المحلات لم تكن تعمل بشكل فعلي، وأن حجم نفقاتها لا يساوي شيئا أمام حجم المبالغ التي كانت تمر عبرها. وبينما كانت الشرطة الإسبانية تحاول فهم هذا الجزء من الشبكة، ظهر عنصر جديد غير نظرتها بشكل كبير، وهو أن هذه العمليات المالية ليست فقط لتمويه الأرباح، بل لتمويل عمليات أخرى داخل المغرب وإسبانيا، أي أن المال كان يدخل ويخرج وفق دورة مالية مستقلة عن عملية النقل الميداني، وأن الشبكة كانت تمتلك نظاما ماليا داخليا يشبه ما تعمل به التنظيمات الكبرى، إذ يتم تدوير الأموال باستمرار لتفادي تراكمها بشكل قد يثير الشبهات. اعتراض المكالمات الوثائق المتعلقة باعتراض المكالمات الهاتفية كانت من أهم المصادر التي ساعدت الشرطة على فهم كيف كانت القرارات تتخذ بين المغرب وإسبانيا. فقد ظهر بوضوح أن بعض الأفراد مثل (ي. ز) كانوا يتحدثون من المغرب مع أشخاص يتحركون في إسبانيا، وأن تلك المكالمات كانت تتزامن مع تغييرات مفاجئة في تحركات أفراد الشبكة داخل كوستا ديل سول. في إحدى المكالمات التي وصفتها الشرطة بـ"الحساسة"، كان (ي) يتحدث من المغرب مع شخص داخل إسبانيا، ويقول له: "ما تمشيش دابا… راه كاين لي كيسول"، وهي عبارة تشير إلى أن هناك مراقبة أو تفتيشا داخل منطقة معينة. لم يكن هذا النوع من المعلومات ليصل بهذه الطريقة لو لم يكن (ي)على اتصال بشخص داخل المغرب يملك معلومات حساسة. وهنا ظهرت فرضية الشرطة التي ستصبح محورية في التحقيق: أن جزءا من قيادة الشبكة موجود داخل المغرب، وأن التواصل بين الضفتين لم يكن مجرد تنسيق عابر، بل هيكل تنظيمي حقيقي يتخذ القرارات في المغرب لتنفيذها في إسبانيا، وأن هذا الهيكل كان يعمل بطريقة تجعل من الصعب استهدافه مباشرة، لأنه لا يترك أثرا ماديا في الأراضي الإسبانية. سفر يكشف المستور في هذا الجزء من التحقيق، ركزت الشرطة على تحليل سجلات السفر للأشخاص الذين ظهروا في المكالمات. وقد اتضح أن عنصرين أساسيين هما (ي. ز) و(م. ح. ر)، كانا يقومان برحلات متكررة بين المغرب وإسبانيا، أغلبها لا يتجاوز يومين، ما يدل على أن وجودهما في المغرب لم يكن يتعلق بالإقامة أو الزيارات العائلية، بل بمهام محددة، ربما تتعلق بالاجتماعات أو تسليم الأموال أو تلقي التعليمات. وظهر في أحد التقارير أن (م. ر) كان يقيم في المغرب لفترات طويلة، لكنه يقوم بزيارات قصيرة جدا لإسبانيا لا تتجاوز 24 ساعة، وهي زيارات كان يتزامن بعضها مع عمليات محددة داخل كوستا ديل سول، مما يعني أن دخوله وخروجه كان جزءا من الآلة التنظيمية وليس مجرد نشاط فردي. كما ظهر في التحليل أن بعض الرحلات كانت تتزامن مع عمليات جمع الأموال داخل إسبانيا، ما دفع الشرطة إلى الاعتقاد بأن هؤلاء الأشخاص كانوا يتحكمون في الجانب المالي بدرجة كبيرة، وأن المال كان ينتقل عبر الأشخاص أكثر مما ينتقل عبر الحسابات.