القياد... أسرار “البارود والدم” 7 صهر الكلاوي الذي اختار المقاومة فدفع الثمن (2/2) شكلت حقبة "القياد الكبار" سلطة موازية طبعت مغرب أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين بمداد من القوة والجبروت والدهاء السياسي. إنها قصص زمن كان فيه "القائد" حاكما بأمره، يبني القصبات الشاهقة ويجيش الجيوش، متأرجحا بين الولاء للسلطان ومناورات الاستعمار الفرنسي، ليصنعوا لأنفسهم مجدا تداخلت فيه هيبة الدولة بنفوذ الإقطاع، تاركين خلفهم إرثا ثقيلا ما زالت جدران قلاعهم المتداعية تهمس بأسرارهم إلى اليوم، وشكلوا بذلك ظاهرة تفصل بين عهدي "السيبة" وبناء الدولة الحديثة. الحلقات التالية تنفض الغبار عن سير شخصيات أسطورية كانت ملء السمع والبصر، بدءا من داهية الأطلس الطيب الكندافي ومنافسه الشرس المدني المتوكي، مرورا بفروسية العيادي الرحماني وسطوة بوشعيب الهواري، وصولا إلى بسالة حيدا أوميس ومواقف القايد حمو، دون إغفال التراجيديا الدامية لعيسى بن عمر العبدي، إذ ستعيد تركيب الأحداث لفهم كيف بسط هؤلاء نفوذهم، وكيف أداروا علاقاتهم المعقدة والمتقلبة بين "المخزن" و"الإقامة العامة"، في سردية تاريخية تكشف الوجه الخفي لرجال كانوا ملوكا غير متوجين في مناطقهم، قبل أن تعصف بهم رياح التغيير وتطوي صفحتهم إلى الأبد. إنجاز: خالد العطاوي كان القايد حمو من أبرز الشخصيات القيادية في الجنوب الشرقي للمغرب، حيث أكسبته مكانته الرفيعة احترام كبار زعماء القبائل، ومن بينهم عسو أوبسلام، قائد ثورة بوكافر، الذي كان يشاع أنه صديق شخصي له. وينتمي القايد حمو إلى زمن كانت فيه الزعامة تقاس بمدى قدرة الفرد على جمع الناس حوله وحماية مصالحهم، لا بمجرد قربه من المخزن أو الاستعمار، وقبل أن يصبح صهرا لعائلة الكلاوي من خلال زواجه إحدى شقيقاتهم، كان القايد حمو قد رسخ سلطته بالفعل، غير أن المصاهرة نقلته إلى مستوى جديد من النفوذ ورفعت مكانته بين قياد الجنوب الشرقي، لكنها في الوقت نفسه مهدت الطريق لبدايات النهاية. وبلغت قوته أوجها بعد ارتباطه بعائلة الكلاوي، إحدى أقوى العائلات المخزنية في الجنوب، إذ أصبحت قصص ثروته الهائلة، وقصباته المنتشرة في نواحي ورزازات، وقدرته على حماية من يلجأ إليه، مادة للأهازيج الأمازيغية القديمة التي تغنت بسيرته وسمعته. لعنة المصاهرة المفارقة الكبرى أن هذا التحالف العائلي لم يتحول إلى تحالف سياسي كامل، فبينما اختار المدني الكلاوي الاصطفاف إلى جانب فرنسا، ودعم حملاتها العسكرية في الأطلس، ظل القايد حمو متمسكا بموقفه الرافض للاستسلام، وقاد قبيلته ومجموعة من قبائل الجنوب الشرقي في مقاومة الجيش الفرنسي، سواء خلال معارك 1914 أو في المواجهات الكبرى 1924. ولم يكن القايد حمو مجرد قائد محلي، بل كان زعيما ميدانيا شارك في معارك طاحنة ضد الجنرالات الفرنسيين، ورغم معرفته بميزان القوى المختل، ورغم صلته العائلية بالكلاوي، لم يتخل عن مواقفه، علما أن هذا التناقض بين صهر مقاوم وباشا متحالف مع فرنسا، كان لا بد أن ينفجر يوما. 1933 ... سنة التصفية الكبرى جاءت 1933 ضربة قاضية، ففي تلك السنة، شنت فرنسا حملتها العسكرية الكبرى لإخضاع الأطلس نهائيا بقيادة الجنرال "دوغان"، وفي خضم تلك الحملة، انقلبت حياة القايد حمو رأسا على عقب. وحسب ما نقلته صحيفة “لوبوتي ماروكان” في أرشيفها لتلك السنة، فإن القايد حمو رفض الاستسلام لفرنسا، وهو ما جعله هدفا مباشرا، لكن الضربة لم تأت فقط من المستعمر، بل من الداخل، إذ تشير الروايات إلى أن المدني الكلاوي قاد أو بارك غارة دموية على صهره، استهدفت إخوته، وأراضيه الفلاحية، ونفوذه داخل القبائل. وتحولت الغارة على قصبة القايد حمو إلى مأساة حقيقية، إذ لم يسمح لأنصاره، حتى بسحب أماناتهم من المخازن، تلك التي كانت تضم وثائق ملكياتهم ومدخراتهم الغذائية، فنهبت القصبة بالكامل، وتفرق الرجال، وانكسرت الهيبة التي بنيت على مدى سنوات. كما انتشرت إشاعات عن مصير زوجته، فقيل إنها أعيدت إلى أسرتها في مراكش، محتجزة في إحدى إقامات الكلاوي المحروسة. أما أبناؤه، ففروا نحو حماية أصدقاء والدهم القدامى، ليظل القصر مهجورا لسنوات طويلة، قبل أن يرمم بعد الاستقلال. قصبات صامدة وثروة تبخرت رغم النهب، بقيت قصبة القايد حمو صامدة في وجه الزمن. أما ثروته، فقد اختفت تماما، إذ تبادل عدد من القياد والباشاوات في عهد الملك الراحل محمد الخامس الاتهامات حول مصير تلك الأموال، لكن الحقيقة لم تظهر قط. وتعود بعض القصبات الصغيرة التي جرى ترميمها حديثا ضمن برامج حكومية، لأعيان كانوا من أتباع القايد حمو، والذين نالهم الانتقام أيضا خلال زمن السيبة الذي تزامن مع تداعيات توقيع معاهدة الحماية في 1912 واستمر إلى غاية إخضاع الأطلس عسكريا في 1933. واللافت للانتباه أن القايد حمو، رغم كل ذلك الثقل التاريخي، لم يحظ بمكانة تليق به في كتب التاريخ الرسمي، إذ غيب اسمه، وتحولت قصته إلى روايات شفوية تتناقلها الألسن في الجبال، بينما بقيت قصباته شاهدة على زمن كان فيه القايد أكثر من موظف.