"يوميات سجين"... تراجيدية ساركوزي 7 خطورة تحول العداء الإيديولوجي للقضاء إلى تهديد للعمل السياسي الشرعي والمستقل تحول "نيكولا ساركوزي"، الرئيس الفرنسي الأسبق، بسبب الثلاثة أسابيع التي قضاها خلف القضبان، إلى كاتب تراجيديا بامتياز، بعد حبسه على خلفية قضية اتهامه بتلقي أموال من الرئيس الليبي المقتول معمر القذافي لتمويل حملته الانتخابية، ما جعله أول رئيس فرنسي سابق في تاريخ الجمهورية الخامسة يوضع خلف القضبان ويتجرع مرارة الزنزانة، بعد أن ذاق طعم السلطة في قصر الإليزيه. يرسم الكتاب، الذي صدر عن دار النشر الفرنسية "فايار" (Fayard)، صورة مغايرة عن فرنسا، وعن الحياة السياسية فيها، وعن بعض صانعيها في المرحلة الراهنة. تقدم "الصباح" أهم الصور الدرامية التي رسمها السجين خلال المدة التي قضاها بسجن «لاسانتي» في باريس. عبد الواحد كنفاوي يسلط الكاتب في هذا الجزء من الكتاب الضوء على خلفيات المتابعة والأسباب الحقيقية التي تقف وراءها. يرى ساركوزي أن سجنه هو تتويج لعشر سنوات من التحقيقات المنهكة، التي لم تكن تهدف للوصول إلى الحقيقة بقدر ما كانت تهدف إلى تحطيمه سياسيا ومعنويا، إذ يتحدث بمرارة عن قضية التمويل الليبي «المزعوم»، واصفا إياها بالخيال المحض والسيناريو السينمائي الفاشل، الذي استخدم ذريعة لإدانته. إصرار القضاة على ملاحقته رغم «غياب الأدلة المادية» يعتبر، بالنسبة إليه، الدليل الأكبر على وجود أجندة سياسية خلف الستار. يشكل هذا الجزء قلب رسالة الكتاب السياسية، إذ يقدم نيكولا ساركوزي نفسه ضحية لمؤامرة الدولة العميقة، ويذهب الكاتب إلى ما هو أبعد من مجرد انتقاد الخصوم، ليدين طبقة كاملة من النخب التي، في رأيه، «تكره السلطة السياسية»، وخاصة عندما لا تتوافق مع توجهاتها الأيديولوجية. يحلل ساركوزي قضية التمويل الليبي المزعوم، باعتباره نصا دراميا زائفا، بني على شهادات مشكوك فيها ومحفزة سياسيا، ويصفها بأنها خيال مخترع وليست حقيقة قضائية. ويعبر الكاتب عن اعتقاده بأن الهدف الحقيقي للمؤامرة، هو تخريب المؤسسات الديمقراطية وضرب أي شخص يحاول الخروج عن الإجماع الفكري للنخبة. ويصور نفسه كبش فداء، تمت التضحية به لترسيخ مفهوم أن الرؤساء والسياسيين ليسوا فوق القانون، لكنه يضيف أن هذا المفهوم قد تم استخدامه هنا بشكل مسيء ومحرّف، ليصبح ستارا لتصفية حسابات. ويوجه ساركوزي في الكتاب انتقادات لاذعة لتحيز بعض القضاة، متهما إياهم بتبني أحكام مسبقة قبل بدء المحاكمات. ويتحدث عن تلفيق الأدلة، وعن تسريبات إعلامية متعمدة لضرب قرينة البراءة لديه، وعن جو عام من العداء كان يحيط بكل جلسة من جلسات المحاكمة، التي استمرت 14 أسبوعا. وينتهي هذا الجزء بتعهد قوي بأن هذه المحنة لن تكسره، بل ستزيد من تصميمه على محاربة الكذب وأصحابه. إنه يطلق تحذيرا حول المستقبل السياسي لفرنسا، حيث يخشى أن يصبح العداء الأيديولوجي للقضاء تهديدا خطيرا للعمل السياسي الشرعي والمستقل. يقول ساركوزي في إحدى فقرات الكتاب «ليست لدي حسابات لأصفيها مع أحد، إلا مع الكذب... هذا الكذب الذي سأطارده بلا رحمة، هو وصانعوه». هذه العبارة تلخص شعوره بأن الجهاز القضائي، أو على الأقل جزءا مؤثرا منه، قد انحرف عن مهمته السامية، ليصبح أداة في أيدي قوى خفية تصفي حساباتها مع القادة السياسيين. يظل كتاب «يوميات سجين» أكثر من مجرد مذكرات شخصية، إنه تساؤل عميق حول توازن السلطات في الديمقراطيات الحديثة. وسواء اتفق القارئ مع ساركوزي أو اختلف معه، فإن اتهاماته للدولة العميقة والجهاز القضائي ستظل تثير نقاشا واسعا حول حدود القوة القضائية ومدى استقلاليتها عن الصراعات السياسية الكبرى.