الموريون... الملوك الأوائل 4 محارب شجاع راهن على حصان خاسر وفقد مملكته في الحرب الأهلية الرومانية طالما كان بناء الدولة والتنظيم سياسيا واجتماعيا، هاجسا لدى المغاربة، فكل الإشارات الأدبية والأثرية تثبت قدم الدولة والنظام الملكي في أرض المغرب. وتعتبر الدولة المورية، أول نظام ملكي مركزي قوي، شهده المغرب بإجماع الأكاديميين والأثريين. ظهرت المملكة المورية، التي رسم المؤرخون حدودها من البحر الأبيض المتوسط شمالا، وواد ملوية شرقا وجنوب جبال الأطلس أو وراءها جنوبا، في 500 قبل الميلاد، واستمرت 5 قرون كاملة، قبل اغتيال آخر ملوكها من قبل الإمبراطور الروماني "كاليغولا"، وإلحاقها بباقي الأقاليم الرومانية. ورغم تاريخها العريق إلا أننا لا نعرف كثيرا عن ملوك هذه الدولة المغربية، باستثناء ما ذكر في المصادر الرومانية واليونانية، وما عثر عليه الأثريون من نقائش ولقى وعملات نقدية تعود إلى هذه المراحل، خاصة بعد تدمير الأرشيف القرطاجي، وعدم العثور على أي أرشيف محلي إلى حدود الساعة. نخصص هذه السلسلة الرمضانية لإلقاء الضوء على أشهر ملوك هذه الدولة، وفترات حكمهم وإنجازاتهم وبطولاتهم وسياساتهم الداخلية والخارجية، معتمدين ترتيبا معكوسا يبدأ بالأقرب إلينا زمنيا وانتهاء بأول ملك مذكور في المصادر، التي لم تشر إلى جميع ملوك العائلة الملكة رغم كثرتهم. عصام الناصيري يمكن القول إن الملك الأمازيغي الموري، سليل العائلة الملكية المورية، الحاكمة للمغرب القديم، من آخر الملوك، الذين كانوا يملكون قرارهم السياسي، ولديهم ارتباط وجذور عميقة في البيئة المغربية. حكم بوغود مملكة موريطانيا الغربية بين سنتي 49 قبل الميلاد و38، في مرحلة كانت فيها شمال إفريقيا جزءا من صراع دولي محتدم بين أقطاب روما. ويرجح أنه كان أخا أو قريبا مباشرا للملك بوخوس الثاني، حاكم موريطانيا الشرقية، في زمن لم تعد فيه الممالك المحلية بمعزل عن السياسة الرومانية. ارتبط بوغود مبكرا بالعالم الروماني من خلال علاقات شخصية وسياسية، إذ تذكر المصادر أن زوجته إينو مايرا (Eunoë Maura) تنحدر من الأمازيغ، لكن اسمها يوناني، لذا يبدو أنها كانت من هناك أو كانت من أصل يوناني، وكانت على الأرجح ذات مكانة عالية جدا، كما ذكر المؤرخ "سويتونيوس"، كما هو الحال بالنسبة إلى كليوباترا. ويرجح أيضا أن إينو مايرا كانت من النساء اللواتي ارتبطن بيوليوس قيصر، وهو ما يعكس حجم التشابك بين البلاط الموريطاني والنخب الرومانية في تلك المرحلة. بدأ حكم بوغود بعد وفاة الملك "ماستانيسوس"، حوالي 49 قبل الميلاد، حين شهدت مملكة موريطانيا انقساما سياسيا حاسما. فقد تقاسم الحكم ملكان من الأسرة نفسها، امتد نفوذ بوغود من نهر ملوية شرقا إلى السواحل الأطلسية غربا، واتخذ على الأرجح من "تنجيس" (طنجة الحالية) مركزا لحكمه. انخرط بوغود مبكرا في الحرب الأهلية الرومانية، واختار الوقوف إلى جانب يوليوس قيصر، في صراعه ضد أنصار بومبيوس الكبير، ولم يكن هذا الخيار رمزيا، بل ترجم نفسه ميدانيا عندما حاول "غنايوس بومبيوس" الابن مهاجمة مملكة بوغود لكسر تحالفه مع قيصر. صد بوغود الهجوم بنجاح، وحافظ على سيطرته على أراضيه، ما عزز مكانته باعتباره حليفا عسكريا موثوقا لقيصر في غرب المتوسط. وسع بوغود دوره العسكري حين قاد، بدعم من قيصر، هجوما على مملكة نوميديا التي كان يحكمها يوبا الأول، أحد أبرز حلفاء البومبيانيين. وأسفر هذا الهجوم عن السيطرة على مدينة سيرتا، ما أجبر يوبا على الانسحاب وخلخل التحالف المناهض لقيصر في إفريقيا. شارك بوغود لاحقا في معركة "موندا" في 45 قبل الميلاد، وهي آخر وأعنف معارك الحرب الأهلية الرومانية. وتذكر المصادر أن قواته هاجمت مؤخرة جيش البومبيانيين، متسببة في ارتباك صفوفهم، وهو ما ساهم في تحقيق نصر حاسم ليوليوس قيصر. غير اغتيال يوليوس قيصر في 44 قبل الميلاد موازين القوى في روما، وفتح صراعا جديدا بين مارك أنطوني وأوكتافيان، وفي هذا المنعطف الحاسم، اختار بوغود الوقوف إلى جانب مارك أنطوني، في حين اصطف أخوه بوخوس الثاني، إلى جانب أوكتافيان. رافق بوغود أنطوني في حملاته العسكرية بإسبانيا، تاركا مملكته في موريطانيا الغربية دون حضور ملكي مباشر، وهو قرار ستكون له عواقب وخيمة. وأدى غياب بوغود عن مملكته إلى اندلاع تمرد داخلي في موريطانيا الغربية، استغله بوخوس الثاني بسرعة. فتمكن في 38 قبل الميلاد من ضم أراضي شقيقه، وإعلان نفسه ملكا وحيدا على كامل موريطانيا، منهيا بذلك حكم بوغود فعليا.