أسرار تهريب المخدرات بين الضفتين4 انسحاب تكتيكي كامل تم تنظيمه خلال ساعات وهو ما يشير إلى وجود قيادة خلف الستار التحقيقات البوليسية الإسبانية على امتداد أشهر طويلة، بين 2024 إلى صيف 2025، مكنت من إسقاط أباطرة مخدرات، يشتغلون ضمن شبكة منظمة تتحرك في صمت محكم بين المغرب وإسبانيا، تنسل عبر الطرق البحرية والبرية نفسها التي يعبرها الجميع يوميا، لكنها تعمل تحت "أقنعة" خفية لا يراها أحد. سيارات تبدو عادية، شركات نقل بواجهة قانونية، ومساكن تستأجر لفترات وجيزة تستخدم نقاط توقف لا تتكرر. مغاربة من تطوان وطنجة والفنيدق والمضيق ومرتيل، وأجانب مقيميون في إسبانيا، لكن خلف كل ذلك كان هناك عقل خفي ينسق كل حركة، ويعيد تشكيل المشهد دون أن يترك أثرا واضحا.... المصطفى صفر بعد أسابيع من المراقبة التي ظنت الشرطة الإسبانية أنها بدأت تنتج صورة أولية فقط عن شبكة تعمل في الظل داخل كوستا ديل سول، جاء الحدث الذي لم يكن في حسبان أحد، هروب جماعي ومنسق لعدد من العناصر المرتبطة بالتحقيق خلال ثمانٍ وأربعين ساعة فقط، وهو ما كشف بشكل لا يقبل الشك، أن الشبكة التي كانوا يتابعون تحركات أفرادها، لم تكن مجموعة صغيرة تتنقل بين الأزقة، بل بنية كاملة التحضير، تتلقى أوامرها من جهة واحدة، وتملك القدرة على تغيير موقعها بالكامل فور إحساسها بالخطر. واختفى في تلك الفترة كل من (ي.ز) و (ي.ز) و (أ.أ) و (م.أ) و(م.ح.ر) و(ع.س) و(م.ب)، إلى جانب عناصر أخرى كانت تظهر في المراقبة على فترات متقطعة. توقف هواتفهم جميعا دون مقدمات، واختفت سيارات استخدموها في الأيام السابقة، كما ظهرت آثار عبورهم عبر ميناء الجزيرة الخضراء نحو طنجة. كانت هذه المعطيات كافية لتفهم الشرطة أن الأمر لم يكن رد فعل فردي أو حركة ارتباك، بل "انسحاب تكتيكي" كامل تم تنظيمه خلال ساعات، وهو ما يشير إلى وجود قيادة خلف الستار، تتحكم في توقيت الحركة واتجاهها. كان التزامن في اختفاء هذا العدد من الأشخاص هو أول علامة على أن ما يجري لم يكن مجرد نشاط محدود لتهريب الحشيش، أو مراقبة عادية لتحركات ليلية، بل شبكة مترابطة تعمل بمنطق يشبه منطق الخلايا، إذ تنفد التعليمات فورا ودون نقاش. ومن خلال مراجعة سجلات المكالمات، رصدت الشرطة أن آخر اتصالات لأغلب العناصر كانت بين الساعة السادسة مساء والعاشرة ليلا من اليوم نفسه، ثم ساد الصمت فجأة. هذا الصمت لم يكن معناه نهاية الحركة، بل انتقالها من ساحة إلى أخرى. وإذا كانت الحلقة الأولى قد أظهرت بعض الوجوه الميدانية التي تتحرك في الأزقة والشوارع، فإن الوثائق التي تكاثرت لاحقا كانت أكثر وضوحا بشأن من يقف في قمة الهرم. فقد تكرّر في المكالمات اسم (م.ح.ر) وشقيقه (م.ر)، وهما الشخصان اللذان لم يظهر أي منهما في المراقبات الميدانية، ولم يظهرا في اللقاءات الليلية، ولم يقودا أي سيارة من السيارات التي كانت موضوع تتبع، لكن مكالمات قصيرة جدا كانت تسبق تغيرا مفاجئا في مسار أحد العناصر، مثل اتصال خاص يسبق تغيير نقطة اللقاء، أو رسالة قصيرة تصل في اللحظة نفسها التي تتغير فيها حركة السيارات. كانت هذه المكالمات، على قِصَرها، المؤشر الأول على أن القيادة الفعلية ليست على الأرض، بل في الظل. وأثبتت الشرطة من خلال تحليل الاتصالات المعترضة أن الأخوين (ر) كانا يصدران التعليمات الأساسية التي تنظم كل خطوة، متى يجب تشغيل الهواتف ومتى يجب إطفاؤها، من يعبر إلى المغرب ومن يبقى في إسبانيا، أي المركبات تتحرك وأيها تركن لمدد أطول، وكيف يجب التعامل مع أي شعور بالخطر. كانت القرارات لا تأتي عبر مكالمات طويلة، بل عبر جمل صغيرة: "بدّل الهاتف"، "غادر الليلة"، "لا تمر من الطريق القديمة"، وهي جمل تبدو بسيطة لكنها كانت كافية لإحداث تغيير شامل في مسارات الشبكة. قيادة مزدوجة أظهر تحليل الشرطة لاحقا أن أحد الأخوين كان يوجد أغلب الوقت في المغرب، بينما كان الآخر يتحرك بين مدن مختلفة داخل إسبانيا لأيام قليلة ثم يختفي، وهي تحركات تؤكد أن الشبكة كانت تعمل بأسلوب قيادي مزدوج، بحيث يكون القرار الإستراتيجي خارج التراب الإسباني، بينما يتم التنفيذ من داخلها.