"يوميات سجين"... تراجيدية ساركوزي 2 كارلا بروني ملاذ نفسي لا غنى عنه والحياة مستمرة تحول "نيكولا ساركوزي"، الرئيس الفرنسي الأسبق، بسبب الثلاثة أسابيع التي قضاها خلف القضبان، إلى كاتب تراجيديا بامتياز، بعد حبسه على خلفية قضية اتهامه بتلقي أموال من الرئيس الليبي المقتول معمر القذافي لتمويل حملته الانتخابية، ما جعله أول رئيس فرنسي سابق في تاريخ الجمهورية الخامسة يوضع خلف القضبان ويتجرع مرارة الزنزانة، بعد أن ذاق طعم السلطة في قصر الإليزيه. يرسم الكتاب، الذي صدر عن دار النشر الفرنسية "فايار" (Fayard)، صورة مغايرة عن فرنسا، وعن الحياة السياسية فيها، وعن بعض صانعيها في المرحلة الراهنة. تقدم "الصباح" أهم الصور الدرامية التي رسمها السجين خلال المدة التي قضاها بسجن «لاسانتي» في باريس. عبد الواحد كنفاوي يوضح نيكولا ساركوزي، منذ البداية للقراء، أن الأمر لا يتعلق برواية وأن كل الأحداث الواردة فيه حقائق تعكس ما عاشه طيلة عشر سنوات من الأبحاث وأربعة عشر أسبوعا بالمحاكمة الجنحية بباريس وثلاثة أسابيع في سجن "لاسانتي" بحي "مونبارناس" بالمقاطعة 14 بالعاصمة الفرنسية. وشدد الكاتب على أنه اختار عدم تغيير أسماء الشخصيات الواردة في سرده، احتراما للحقيقة ومصداقية سرده للأحداث، وعليه فإن كل الأسماء هي مقصودة وليست من قبيل الصدفة، لتتحمل كل جهة مسؤوليتها في الأحداث التي يتضمنها الكتاب. ويشرع نيكولا ساركوزي، بعد ذلك، في توصيف الأجواء التي خيمت على فترة تناول الفطور الصباحي مع العائلة، إذ أصبغ عليه الكاتب أجواء تجعل من وداعه الصباحي مع أفراد العائلة طقسا مقدسا يسبق العزلة. وهكذا يصف الكاتب مشهد الإفطار الأخير مع كارلا وأبنائه على أنه لحظة "سعادة مؤقتة ومستعارة"، تهدف إلى حماية العائلة من مرارة الواقع. ويتمحور السرد في هذا الجزء من الكتاب حول القيادة الأبوية، إذ يجد الرئيس الأسبق للجمهورية الخامسة نفسه مطالبا، في وصفه لنفسيته في تلك الفترة، بأداء دور "الرجل الذي لم يهزم" أمام من يحب، وهو جهد نفسي، يقول الكاتب، هائل يتطلب إخفاء ضعفه وقلقه. ويصف بالتفصيل كيف كان عليه أن يبتسم، ويتحدث بهدوء عن ترتيبات مستقبلية بسيطة، لكي يثبت لأصغر أبنائه أن "الحياة مستمرة». في هذا السياق، يبرز دور كارلا بروني- ساركوزي، في سرد الأحداث، باعتبارها ملاذا نفسيا لا غنى عنه. يصفها الكاتب بأنها "حصنه الأخير"، وأن دعمها لم يكن مجرد تعاطف، بل قوة صلبة ومصدر ثبات عاطفي، مكنه من الصمود أمام المحنة. ويحلل الكاتب كيف أن التماسك الأسري يشكل خط الدفاع الأخير ضد الانهيار الشخصي والاجتماعي الذي يهدف إليه السجن. إن اللحظات الأخيرة من الوداع، التي يصفها بإيجاز وبصدق، تعكس الالتزام العميق الذي يربطهما، حيث يعتبر ساركوزي هذا الحب قوة عظمى تتجاوز كل الاعتبارات السياسية والقضائية. وبالتالي، فإن هذا الجزء لا يروي تفاصيل الوداع فحسب، بل هو شهادة على العلاقة الزوجية التي تحولت إلى مرساة للحياة في خضم العاصفة، معترفا بأن أي شكوك أو ضعف من جانب عائلته كانت ستقضي على قدرته على المقاومة في الداخل. وينتقل الراوي إلى إثارة كل التساؤلات والاستنتاجات، التي كانت تراوده خلال نقله إلى السجن، بعدما حدث ما لم يكن يتصوره أحد في السابق، تساؤلات تتمحور حول كيفية سقوطه والأفعال التي يكون قد فعلها ليستحق هذا التعامل، هو الذي كان رئيسا لمدة خمس سنوات، ليستنتج مدى سذاجته. وأكد أنه لم يكن يخطر بباله أن الأمر سينتهي به إلى هذا المآل، هو الذي كان على رأس الدولة، المنصب الذي اعتبر الظفر به شرفا كبيرا وفرصة استثنائية، لكنه يمكن أن يكون جرما كبيرا في أعين من يكره السلطة السياسية، خاصة إذا كانت من اليمين.