"أمي… نحيب الصامتين" عمل سردي يثير أسئلة الكرامة والصمت صدر حديثا عن مؤسسة أفرا للدراسات والأبحاث العمل السردي الجديد للكاتب والزجال علي مفتاح، الموسوم بـ "أمي… نحيب الصامتين"، في طبعة تقع في 531 صفحة من الحجم الكبير، ليشكل إضافة نوعية إلى مساره الإبداعي، الذي يجمع بين الحس الشعري والاشتغال السردي ذي النفس التأملي. وينطلق العمل، الذي أهداه المؤلف "إلى كل المنتحبات في صمت، أمي وكل الأمهات"، من التجربة الشخصية والعائلية باعتبارها جرحا أوليا، قبل أن يتسع أفقه ليعانق أسئلة الإنسان في بعدها العام والكوني، فالسيرة الروائية لا تكتفي باستعادة تفاصيل الذاكرة الخاصة، بل تجعل من سيرة الأم مدخلا لتفكيك بنية القهر الاجتماعي، ورصد أشكال العنف الرمزي والسلطة الأبوية، وما تخلفه من تصدعات في الوعي الفردي والجماعي، على حد سواء. وتغوص الرواية في الذاكرة باعتبارها فعل مقاومة، حيث تكتب العائلة لا بوصفها حيزا حميميا مغلقا، بل باعتبارها نموذجا مصغرا عن المجتمع، يعكس اختلالاته وتمثلاته الثقافية والسياسية. ومن خلال هذا المنظور، يقرأ الألم الفردي نتاجا لبنية ثقافية تعيد إنتاج الصمت والخضوع، وتؤجل العدالة، وتحاصر الكرامة داخل سياقات من الإكراه الرمزي والاجتماعي. أسلوبيا، يمزج النص بين اللغة الشعرية والنفَس الفلسفي، في بناء سردي تأملي ينهل من حساسية الزجل وعمق السؤال الفكري، إذ تبرز في ثنايا الرواية نبرة نقدية واضحة تفكك البنى الذكورية والسلطة الأبوية، وتتعامل مع الذاكرة والألم بوصفهما مادة جمالية ومعرفية، لا مجرد حنين إلى الماضي أو استعادة بكائية للوجع. ولا تقدم "أمي… نحيب الصامتين" نفسها سيرة عاطفية، بقدر ما تطرح مشروعا فكريا سرديا يضع سؤال الإنسان في قلب التفكير الأخلاقي، ويعيد مساءلة موقع الأم/المرأة داخل سيكولوجيتنا الجماعية، فالكرامة، في هذا العمل، ليست قيمة مجردة، بل حق مصادر، يتقاطع فيه الشخصي بالسياسي، والحميمي بالمجتمعي. وتخلص الرواية إلى طرح أسئلة عميقة تتجاوز حدود الأسرة، معتبرة أن انهيار العائلة ليس حدثا معزولا، بل مؤشر على تصدع أعمق في معنى الوطن، وفي علاقة الإنسان بالسلطة والجنس والدين، فإذا كان وجع الأم مرآة لهذا الخراب، فإن سؤال المستقبل يظل معلقا: أي أفق يمكن أن يبنى فوق صمت الأمهات؟ على مستوى الإخراج الفني، تولى محمد لعروصي تصميم الأنفوغرافيا والغلاف، فيما أشرف على المراجعة والتقويم اللغوي كل من الزبير المنيوي وعبد الله أيت بولمان، بينما واكب العمل نقديا الناقد محمد إدارغة، ما يعكس عناية خاصة بالجوانب الفنية واللغوية والنقدية لهذا الإصدار الجديد. خ. ع