مذكرات رحوم البقالي1 تتحدر من الزاوية البقالية بشفشاون ومنزل عائلتها احتضن ليالي صوفية يرتبط فن الحضرة الشفشاونية باسم الفنانة رحوم البقالي، إذ تعد أول فنانة في المغرب تعنى بهذا النمط الفني الصوفي المضبوط إيقاعا وصوتا وشكلا، ما جعله يحظى باستحسان سواء داخل المغرب أو خارجه. وساهمت البقالي في استمرار فن الحضرة، سيما أنها تقدم لوحة جمالية حبلى بالأجواء الروحانية والفنية والثقافية، كما قامت ببحث في هذا النمط وبادرت إلى تنظيمه من الناحية الموسيقية وترتيب طبوعه وأنغامه. في الحلقات التالية تسلط «الصباح» الضوء على مسار الفنانة البقالي، التي تحكي بداية علاقتها بفن الحضرة وتمكنها من الحفاظ عليه وتحقيقه تجاوبا مع الجمهور. أمينة كندي تفتخر الفنانة رحوم البقالي كثيرا بانتمائها إلى شفشاون أو الشاون، كما يطلق عليها البعض، حيث نشأت وسط مدينة تعكس تاريخا عريقا وتحمل في طياتها حضارة أندلسية وانسجاما بين ما هو تراثي وفني وطبيعي، ما كان له تأثير إيجابي ومصدر إلهام لعدد من الفنانين. رأت البقالي النور بالشاون منذ عقود وترعرعت في أجواء بسيطة افتقدت كثيرا من خصوصياتها، خاصة لعبها وشغبها بين أحيائها وأزقتها، التي يحمل كل واحد منها ذكرى خاصة. وعن أصول الفنانة البقالي قالت إنها تتحدر من الشرفاء البقاليين بشفشاون، فوالدها الراحل اﻟﻌﻼﻣﺔ واﻟﻔقيه اﻟﺤﺎج اﻟﻤﺒﺎرك اﻟﺒﻘﺎﻟﻲ، ﻛﺎن ﺷﯿﺦ زاوﯾﺔ ﻣﻮﻻي اﻟﻌﺮﺑﻲ اﻟﺪرﻗﺎوي، والتي كانت ﻣﻘﺮا ﻟﻠﻤﺪﯾﺢ واﻟﺴﻤﺎع وﺗﻠﻘﯿﻦ ﻋﻠﻮم أﺻﻮل اﻟﺪﯾﻦ، أما والدتها الزوهرة الحبيب البقالي، فهي بدورها تنتمي إلى الزاوية البقالية. كان والدا البقالي فرحين بقدومها، ونظما حفل عقيقة دعوا إليه أفراد العائلة والجيران في أجواء تميزت بطابعها المغربي البسيط، الذي لا يخلو من عادات وتقاليد راسخة ومن المديح والسماع والذكر. تعتبر الفنانة البقالي الابنة الوسطى ضمن أسرة مكونة من ثلاث بنات، وأخ غير شقيق من والدتها، الذي رحل منذ سنوات تاركا أثرا نفسيا سيئا نظرا للعلاقة المتينة التي جمعتها وأفراد أسرتها به. تحكي البقالي أن منزلهم كان عبارة عن زاوية، حيث يحتضن حفلات صوفية للذكر، إلى جانب أنها كانت تجد متعة كبيرة حين ترافق والدتها إلى حفلات الزوايا الدينية وخاصة موسم سيدي علال الحاج البقالي، المنظم بمناسبة عيد المولد النبوي الشريف. نهلت البقالي كثيرا من طقوس صوفية وروحية كانت بسبب حضورها ليالي داخل منزلهم أو في فضاءات أخرى، ما كان له الأثر الكبير على توجيه مسارها واختيارها "فن الحضرة" لونا للتألق في الساحة الفنية وتحقيقها إشعاعا في تظاهرات خارج أرض الوطن. رسمت البقالي مسارا خاصا بها منذ سن مبكرة، حيث كانت واضحة في اختيارها الفن الصوفي منذ طفولتها، كما كانت من بين العوامل المساهمة في ذلك أن منزل عائلتها لا يفصله سوى سور عن المعهد الموسيقي. "كنت بعد رجوعي من المدرسة أصعد إلى السطح لاختلاس النظر والسمع في ما يقدم بين حجرات المعهد"، تحكي البقالي، التي كانت كل يوم تزداد تعلقا بالغناء الصوفي.