إقامات فاخرة مطلة على الحرم ورحلات سياحية موازية واحتفالات استقبال باذخة لم تعد العمرة عند فئة من المغاربة تقتصر على شد الرحال إلى الأراضي المقدسة لأداء المناسك في أجواء يغلب عليها الزهد والبساطة، بل شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولات واضحة في طقوسها وعاداتها، أضحت تتقاطع فيها العبادة مع خدمات فندقية راقية وبرامج سفر متكاملة، في تحول يصفه البعض بعمرة "هاي كلاس"، ويعكس تغيرا لافتا في طقوس هذه الرحلة الدينية. هذا التحول لم يكن معزولا عن تغيرات شهدها قطاع الأسفار وأنماط الاستهلاك، بعدما توسع نشاط وكالات الأسفار المتخصصة في السياحة الدينية، وارتفع الطلب على خدمات أكثر راحة وتنظيما، في سياق اجتماعي باتت فيه جودة الإقامة ووسائل النقل جزءا من معايير الاختيار. ومع هذا التغيير، انتقلت العمرة من صيغة شبه موحدة في تفاصيلها إلى سوق مفتوح تحكمه باقات وخدمات متفاوتة المستوى. وفي هذا السياق، ذكر مصطفى الحمدوني ، صاحب وكالة أسفار بطنجة، أن العروض أصبحت تبرمج حسب إمكانيات كل معتمر، مشيرا إلى أن الباقات الاقتصادية تتراوح ما بين 12 ألفا و13 ألفا للفرد لمدة 15 يوما، مع إقامة في غرف مشتركة واستعمال النقل الجماعي دون خدمات إضافية، بينما هناك عروض أخرى خاصة بالفئة الراقية، وتتراوح بين 60 ألف درهم و180 ألفا، وتشمل أغلاها الإقامة في أجنحة مطلة على الحرم، والتنقل بسيارة فارهة خاصة، إضافة إلى وجبات فاخرة وخدمات مرافقة على مدار الساعة. وأوضح المحدث، أن الأمر لم يتوقف عند حدود مستوى الإقامة والخدمات، بل إن جل الوكالات باتت تقترح برامج مدمجة تجمع بين أداء العمرة وقضاء أيام في وجهات سياحية مثل دبي أو تركيا قبل التوجه إلى الأراضي المقدسة، في صيغة تمزج بين السياحة الدينية والترفيهية، مؤكدا أن عروض السياحة الدينية تعرف إقبالا متزايدا، وتمثل ما يقارب 70 في المائة من رقم معاملات عدد من الوكالات، ما يعكس التحول الذي شهده هذا القطاع خلال السنوات الأخيرة. في المقابل، يرى محمد الشدادي ، رجل تعليم بطنجة، أن هذا التحول لم يعد يتعلق فقط بتحسين مستوى الخدمات، بل مس جوهر الرحلة ومعناها، وقال إن "العمرة كانت دائما مناسبة للتجرد والتواضع والابتعاد عن مظاهر الدنيا، لكن ما نلاحظه اليوم هو سباق غير معلن نحو إبراز الرفاهية وتوثيق التفاصيل، وكأن الغاية أصبحت عرض التجربة والاحتفاء بها أكثر من التركيز على بعدها الروحي". وأضاف الشدادي، في حديث مع "الصباح"، أن التحول لا يتوقف عند مستوى الإقامة أو برامج السفر، بل يمتد إلى ما بعد العودة إلى المغرب، حيث أصبحت بعض الأسر تنظم حفلات استقبال فاخرة، يتم فيها التعاقد مع مموني حفلات وتوزيع هدايا فاخرة على المدعوين، في مشهد يطغى عليه الطابع الاحتفالي أكثر من الطابع التعبدي. واعتبر المتحدث أن هذه الطقوس، وإن كانت بدافع الفرح، فإنها تحولت لدى البعض إلى مناسبة لإظهار القدرة المادية، ما يفرغ الرحلة من بساطتها التي عرفت بها لسنوات. وبين من يراها تطورا في مستوى الخدمات، ومن يخشى أن تتحول إلى سباق مظاهر، تبقى العمرة في جوهرها عبادة تقوم على النية والإخلاص. فمهما تنوعت الباقات واختلفت الأسعار، يظل المعنى الحقيقي للرحلة مرتبطا بصدق القصد، لا بفخامة الفندق ولا بحجم الاستقبال. المختار الرمشي (طنجة)