حكاية الفنان العصامي الذي منح الأغنية العصرية روحا مغربية غيب الموت، نهاية الأسبوع الماضي، الفنان والمطرب عبد الهادي بلخياط، بعد مسار حافل بالفن فرض فيه اسمه واحدا من الأصوات التي رسخت الشخصية المغربية في الغناء المغربي. ورغم أن الفنان الراحل اعتزل الفن خلال السنوات الأخيرة، إلا أنه لم يخاصم أهله ولا تبرأ منه، ليحتفظ بمحبة الجميع فنانا وشيخا متدينا. في هذا الخاص تستعيد "الصباح" جانبا من المسار الفني لهذا الاسم الاستثنائي. إنجاز: عزيز المجدوب خلال اللحظة التي انبثق فيها صوت عبد الهادي بلخياط، مطلع الستينات، كانت الأغنية المغربية العصرية، قد دشنت توجها جديدا، بعد الخطوات التأسيسية لروادها، الذين اختلفت بهم السبل، في ما بعد، بين من أصر على مواصلة الولاء للنمط الشرقي، وبين من اختار التحرر منه، واستلهام إيقاعات وأنغام مغربية خالصة. ظهرت أصوات الجيل الثاني من قبيل عبد الوهاب الدكالي الذي قدم أولى أغانيه، نهاية الخمسينات، وكان حينها إسماعيل أحمد والمعطي بنقاسم يصولان ويجولان ويضطلعان بمهمة أداء ألحان تلك المرحلة الانتقالية، وينضاف إليهما صوت بهيجة إدريس، قبل أن ينضم عبد الهادي بلخياط إلى الساحة الغنائية ابتداء من 1962 حين أدى أول أعماله الغنائية بعنوان "نشيد العرش" من توقيع مكتشفه الموسيقار الراحل عبد النبي الجيراري. قبل أن يصل بلخياط إلى مبتغاه ويؤدي أول قطعة له، قطع أشواطا طويلة ومسارا عصاميا صعبا، بدأه من فاس التي ولد فيها سنة 1940، وفيها قضى ردحا من طفولته، قبل أن ينتقل إلى الدار البيضاء، حيث واصل تعليمه الابتدائي في المدرسة "العبدلاوية" بالمدينة القديمة، وينقطع عن الدراسة مبكرا، ويزاول مهنا عديدة، دون أن يقاوم تعلقه بالغناء ويأنس في نفسه القدرة على الأداء بالأسلوب نفسه الذي تشبع به وهو ينصت بإمعان إلى رموز الطرب ويحاول تقليدهم. انتقل بلخياط في مرحلة مبكرة من شبابه إلى الرباط، واشتغل سائقا بوزارة الشبيبة والرياضة، وكان يتحين الفرصة ليجرب نفسه في الغناء، إلى أن اكتشفه الموسيقار عبد النبي الجيراري الذي كان أول من آمن بموهبة الشاب الإدريسي الزوكاري (وهذا هو لقبه العائلي الحقيقي)، ومده بالألحان الأولى التي مهدت له طريق الشهرة، مثل "نشيدك أول ما في اللسان" و"يا حبيب القلب" و"يا بلادي" و"حسبتك" و"هذا ميعادك" و"أتظن" وغيرها. مرحلة الاستواء بعد أن استوت الأرض تحت قدمي عبد الهادي بلخياط في مجال الغناء، دخل في تجربة القصائد الكبرى التي فرضت اسمه صوتا جديدا بمواصفات لم تتوفر لغيره، من حيث اتساع المساحة ورسوخ القرار ووضوح النبرات وعذوبتها، وهو ما سيظهر جليا في أعمال من قبيل قصيدتي "ميعاد" و"القمر الأحمر" اللتين تعامل فيهما مع الشاعر عبد الرفيع جواهري والملحن عبد السلام عامر لتنفتح أمامه آفاق أوسع جعلته يطمح لأن يلتمس الشهرة والمجد في الشرق فيقرر السفر إلى القاهرة. بمجرد ما وطأت قدما بلخياط أرض مصر أدرك أن الموهبة وحدها لا تكفي للنجاح، بل لا بد من تكوين موسيقي ونزل طالبا بالمعهد الأعلى للموسيقى العربية بالقاهرة حيث تعرف على العديد من الأساتذة الشعراء والملحنين، وطال المقام به هناك في الفترة ما بين 1965 و1967 قدم فيها العديد من القطع الغنائية التي لحنها له رفيق رحلته عبد السلام عامر مثل "الشاطئ" و"واحة العمر" و"سمعت عينيك" و"تعالي". كما قدم بلخياط، في رحلته القاهرية، من ألحان عامر مقطوعات زجلية باللهجة المغربية من كلمات الشاعر الغنائي حسن المفتي مثل "قالوا لي حب" و"قالت لي روح" و"عيون" و"ما تحاولشي" وغيرها، وكان حريصا على الغناء بلهجة بلده الأصلية، رغم أنه انفتح في مناسبات قليلة ومحدودة على اللهجة المصرية وأدى بعض الأغاني التي لحنها بنفسه أو لحنها له بليغ حمدي في ما بعد. العودة بعد النكسة بعد عودته إلى المغرب عقب نكسة يونيو 1967 دشن عبد الهادي بلخياط مرحلة جديدة في مساره، اتسمت بحرصه على استلهام الأنغام والإيقاعات المغربية، وهي المرحلة التي أفرزت روائع من قبيل "في قلبي جرح قديم" التي كتبها له الفنان الراحل فتح الله المغاري، وقطع أخرى نصبته نجما لا يضاهى خلال مطلع السبعينات ومطلوبا في الجولات الفنية بالدول المغاربية بكل من الجزائر وتونس وليبيا، قبل أن يحيي حفله الأسطوري في 1973 بمسرح "الأولمبيا" بباريس، حيث كانت الجماهير الموجودة على أرصفة الشوارع أكثر من الموجودين بالقاعة وأغلبها من الجالية المغاربية والعربية. عاد بلخياط إلى مصر مجددا ليبدأ تجربة سينمائية مع المخرج المغربي عبد الله المصباحي باقتراح دورين الأول سنة 1973 بعنوان "سكوت اتجاه ممنوع" والثاني سنة 1979 فيلم بعنوان " أين تخبئون الشمس؟" وتقاسم دور البطولة مناصفة مع النجم عبد الوهاب الدكالي وصورا هذين الفيلمين في القاهرة المصرية وبقيا ممنوعي البث بالمغرب لسنوات. كما شارك بلخياط في فيلم "الدنيا نغم" إلى جانب كل من نعيمة سميح ومحمد أبو الصواب وزياد مولوي ووليد توفيق وعفاف داغر وهو من إخراج اللبناني سمير الغصيني. وتسيد عبد الهادي بلخياط المشهد الغنائي، خلال السبعينات، إلى جانب أسماء أخرى مثل عبد الوهاب الدكالي ومحمد الحياني ونعيمة سميح، واستطاع أن يصمد بالأغنية الطربية العصرية، في وجه الإعصار الغيواني، بعد أن أضفوا على هذه الأغنية لمسة مغربية خالصة عكستها أعماله خلال هذه المرحلة مثل "كيف إيدير آسيدي" و"عوام" و"الصبر تقاضى" التي لحنها له عبد القادر وهبي، كما لحن له عبد الرفيق الشنقيطي أغاني "دمعة لفراق" و"فكر فيا" والمسافر" فيما لحن له حسن القدميري رائعة "ما تاقشي بي". كما ربطت بلخياط علاقة خاصة مع الموسيقار عبد الرحيم السقاط الذي قدم له قطعا عديدة على امتداد مساره مثل "الهاتف" و"خبر" و"هدى لي صورتو" و"صدقت كلامهم" ثم رائعة "قطار الحياة" التي ظهرت في أواسط الثمانينات. واصل الإبداع في أواخر الثمانينات وقدم مسيرة فنية جميلة ورائعة قبل أن يقرر الانسحاب تدريجيا من المشهد الفني وينقطع للعبادة والدعوة، دون أن يترك الفنان الذي ظل ساكنا فيه إلى آخر يوم في حياته. نم قرير النغم... بقلم: عزيز ددان (*) "سي عبد الهادي بلخياط، بحزن يشبه الصمت بعد آخر نغمة، نخاطبك اليوم. لا لنودعك، بل نحاول أن نفهم كيف لصوت مثلك أن يختار الغياب، وأنت لم تكن عابرا في حياتنا، بل كنت فينا "راحة الروح". وكنت "ذاك الإنسان" الذي علّمنا كيف تتحوّل الأغنية إلى سيرة ذاتية لجيل بل لأجيال كاملة. برحيلك، انفتح "في القلب جرحٌ قديم"، لأنك اخترت الصمت قبل الغياب؛ هو "جرحٌ ما عندو دوا"، لأن صوتك أقام فينا إقامة المعنى، فسكن القلوب قبل الأسماع… كنّا نلتقيك في كل "ميعاد" مع الشجن، كنا نراك الى "الأمس القريب" جالسًا على شاطئ الذاكرة، تلاحظنا كما العناية بـ "رموش" مثقلة بالحدب، منيرا ليالينا مثل "قمر أحمر" ما له من شبيه … كان صوتك سراجا حين كان الكل محتارا، ودليلا حين تسارع بنا "قطار الحياة" أكثر مما يحتمل وجودنا … ثم اكتشفنا معك أن "الصبر تقاضى" وأن "ظروف" الحياة لم تعد هي هي: فلا للأرواح سموٌّ ولا للوجوه نضارة، و أنت تنادي: "عباد الله فيدوني"، ثم تحذرنا هامسا "كون على بال"... أجل، ليس كل فراق نهاية، ولا كل وداع خسارة. لكن، "كيفاش يمكن قلبي ينساك"؟ وكيف يُنسى "حبيب القلب"؟ كيف يُنسى من اكتشفنا معه أن بسمة الأمل ممكنة، وأن كل واحد منا قادر أن يكون للبحور عوام؟ "غنيت للحب و الحياة حتى "حسبتك" مشرقا أبد الدهر لا يَطالك أفول. و غنيت للوطن كما يُغنى للعشق، فكانت "بلادي" المعشوقة الأولى في صوتك. وغنيت للناس ببساطةِ ابن البلد يا "بنت الناس" بلا ادعاء، و"يا محبوبي" بلا تكلف، صادقا لأنك "صدقت كلامهم"، كلام المغاربة على لسان عبد الرفيع وأحمد الطيب وعلي وفتح الله... وهذا المساء، لن نطلب منك أن "تغنّي لنا الليلة" … فقد غنّيتَ ما يكفي لتبقى حاضراً كالوشم، حتى صار صوتك عندنا من أصوات الطبيعة التي لا تموت: هدير الموج و خرير المياه و خشخشة الأوراق و صفير العنادل ونعرف أن بعض الأصوات لا ترحل، بل تغير عنوانها فقط، وتترك لنا "الصورة"، و"الهاتف" و"الربيع"... نم قرير النغم سي عبد الهادي، فأنت لم تذهب بعيدا. أنت هنا... في الصدى، في القلب وفي الروح معا.. و أنت في "واحة العمر" التي نلوذ بها حين يتعب بنا الطريق، و أنت "ما منك زوج … أنت واحد"... (*) رئيس جمعية "نغم"