"بولس" يربك الجزائر و"سي آي إي" تحذر "بوليساريو" لم يكن جلوس كبار مسؤولي وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي إي"، حول طاولة واحدة مع بعثة جبهة "بوليساريو"، بقيادة ممثلها في واشنطن مولود السعيد، وبعثة دبلوماسية رفيعة تمثل الوفد الجزائري، واقعة عادية يمكن إدراجها ضمن تقاليد الاستماع أو جس النبض، بل شكل ذلك اللقاء لحظة مفصلية تكشف عن انتقال نوعي في تعاطي واشنطن مع ملف الصحراء : من مسار دبلوماسي طويل النفس إلى مربع الأمن القومي الأمريكي. السؤال الجوهري لا يكمن في مضمون اللقاء فقط، بل في هوية الجالس على رأس الطاولة. فغياب وزير الخارجية الأمريكي "ماركو روبيو"، وحضور الـ "سي آي إي"، يحملان دلالة لا تخطئها القراءة السياسية : الملف لم يعد يدار بمنطق الوساطات ولا بمناورات الخطاب، بل بمنطق المخاطر والتهديدات المحتملة، المرتبطة باستقرار شمال إفريقيا والساحل، وباحتمالات الانزلاق نحو التطرف والعنف العابر للحدود. وتكتمل الصورة حين نضع هذا اللقاء في واشنطن إلى جانب التحرك الموازي في الجزائر. ففي الوقت الذي استقبلت فيه الـ"سي آي إي" البوليساريو في العاصمة الأمريكية ضمن رسالة تحذيرية واضحة، حل "مسعد بولس"، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون الإفريقية والعربية، بالجزائر للقاء الرئيس عبد المجيد تبون ووزير خارجيته أحمد عطاف، حاملا الرسالة نفسها ولكن بصيغة سياسية مباشرة : الحكم الذاتي هو الحل الوحيد لقضية الصحراء المغربية، والولايات المتحدة باتت تعتبر هذا الملف مقرونا بأمنها القومي، لا مجرد نزاع إقليمي قابل للتدوير. محمد السعدوني (واشنطن) لم يكن لقاء مبعوثي جبهة "بوليساريو" والجزائر الأخير في واشنطن حدثا بسيطا يمكن إدراجه ضمن خانة التحركات الدبلوماسية المعتادة، ولا مجرد محطة أخرى في مسار نزاع طال أمده. الأهم في ما يتداول هنا في واشنطن ليس اللقاء في حد ذاته، بل مستواه، وتوقيته، والجهة التي أدارت النقاش. فحين يستقبل وفد سياسي أو شبه سياسي في وزارة الخارجية، يكون ذلك جزءا من لعبة التوازنات، وإدارة الوقت، وصياغة المواقف الرمادية. أما حين ينتقل الملف إلى مكتب مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، فإن القصة تتغير بالكامل، وتدخل منطقة أكثر صلابة وأقل مجاملة. "بوليساريو" وطاولة "سي آي إي" ! "في واشنطن، لا يجلس الضباط السامون في وكالة الاستخبارات المركزية "سي آي إي" مع وفود إلا عندما يكون الملف قد غادر نهائيا خانة الجدل السياسي ودخل خانة الأمن القومي. هذا المستوى لا يخصص لسماع روايات متعارضة، ولا لبحث حلول وسط، بل لإبلاغ رسائل واضحة، أحيانا قاسية، غالبا غير قابلة للتأويل"، يقول مصدرنا ويضيف : "لذلك، فإن مجرد جلوس رئيس الجهاز الاستخباراتي الأمريكي مع مبعوثي بوليساريو" والجزائر يحمل في حد ذاته رسالة سياسية أمنية تفوق، في دلالتها، أي بيان رسمي أو تسريب دبلوماسي". الرسالة التي قيل إنها نقلت في هذا اللقاء، والقائلة بأن مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب هي الخيار الوحيد لحل ملف الصحراء، لا يمكن قراءتها كإعادة تأكيد لموقف أمريكي معروف فحسب. الجديد ليس في الموقف، بل في الإطار الذي قدم داخله. فحين يصدر هذا الإبلاغ من جهاز استخباراتي، وليس من دبلوماسي، فهذا يعني أن واشنطن لم تعد تنظر إلى الصحراء كنزاع سياسي مؤجل، بل كملف استقرار إستراتيجي يجب إغلاقه قبل أن يتحول إلى تهديد مفتوح. هذا التحول في المقاربة لا يأتي من فراغ. فحسب ما أكدت مصادر "الصباح" المطلعة هنا في واشنطن فإن الولايات المتحدة، في السنوات الأخيرة، أعادت ترتيب أولوياتها في شمال إفريقيا والساحل والصحراء. "المنطقة التي كانت تصنف سابقا هوامش جيوسياسية، تحولت إلى مسرح مركزي لتقاطع أخطر الملفات .. تمدد التنظيمات الجهادية، انهيار الدول الهشة، شبكات تهريب السلاح والبشر، ومحاولات اختراق روسية وإيرانية عبر وكلاء غير نظاميين"، تعلق مصادرنا وتسترسل : "في هذا السياق، لم يعد مقبولا لدى واشنطن الإبقاء على نزاعات مجمدة تنتج كيانات مسلحة خارج منطق الدولة، وتترك فراغات أمنية قابلة للانفجار في أي لحظة". من هذه الزاوية، تغيرت طريقة قراءة "بوليساريو" داخل دوائر القرار الأمريكية. "لم تعد ترى فقط كحركة سياسية ترفع شعار تقرير المصير، بل ككيان مسلح يعيش في بيئة فوضوية، خارج أي أفق سياسي واقعي، ويتغذى من استمرار النزاع. في منطق الأمن القومي الأمريكي، هذه معادلة خطيرة : كيان مسلح إضافة إلى خطاب انفصالي متصلب، وفضاء إقليمي مضطرب. كل هذا يساوي خطرا محتملا، حتى وإن لم يتحول بعد إلى تهديد مباشر، يعلق مصدرنا. الأخطر في الرسالة ليس ما قيل، بل ما لم يقل. فحين يتولى ضباط الـ "سي آي إي" شخصيا إبلاغ هذا الموقف، فإن ذلك يتضمن تحذيرا غير معلن، مفاده من يرفض هذا المسار، لا يظل مجرد طرف سياسي معترض، بل يقترب من خانة التهديد الأمني. والتاريخ الأمريكي مليء بأمثلة حركات بدأت كقضايا سياسية، ثم أُعيد تصنيفها عندما رأت واشنطن أنها تحولت إلى عبء أمني. في هذا الإطار، يصبح الحديث عن احتمال إدراج "بوليساريو" في لوائح الإرهاب سيناريو قابلا للنقاش، لا تهويلا دعائيا. الولايات المتحدة لا تتردد في إعادة توصيف الكيانات المسلحة عندما تتقاطع أنشطتها، أو بيئاتها الحاضنة، مع شبكات تهريب أو جماعات متطرفة، أو عندما ترى أنها تعيق استقرار مناطق حساسة. التحول من “حركة سياسية” إلى “مشكلة أمنية” قد يكون سريعا، وحاسما، إذا ما توفرت شروطه. خلفيات إستراتيجية مقلقة ! تكشف معلومات متقاطعة، واردة من مصادر موثوقة مقربة من السفارة الجزائرية في واشنطن وتدور في مستويات عليا من هرم السلطة، أن وجود وفد جبهة "بوليساريو" حاليا في الولايات المتحدة، بالتوازي مع وجود وفد جزائري رسمي داخل السفارة الجزائرية بواشنطن، لا يندرج في إطار تحركات دبلوماسية عادية، بل ضمن مسار تفاوضي وأمني معقّد تقوده إدارة الرئيس دونالد ترامب لإغلاق ملف الصحراء بشكل نهائي. ووفق هذه المعطيات، فإن الإدارة الأمريكية، وعند شروعها في التواصل مع وفد "بوليساريو"، عمدت أولا إلى عزله بالكامل عن أي تواصل خارجي، بما في ذلك قطع قنوات الاتصال مع الوفد الجزائري الموجود في واشنطن. وتؤكد المصادر نفسها أن السلطات الجزائرية فقدت بالفعل الاتصال بعناصر "بوليساريو" خلال هذه المرحلة، في خطوة تعكس انتقال الملف من فضاء التنسيق السياسي التقليدي إلى غرف مغلقة تديرها دوائر أمنية أمريكية. الأخطر في هذه التطورات، بحسب المعلومات المتوفرة، أن عناصر "بوليساريو" لم تستقبل فقط في إطار مشاورات سياسية، بل خضعت لعملية استنطاق واستجواب أمني معمق من قبل جهات أمريكية مختصة، على أساس معطيات استخباراتية مسبقة، شملت ملفات حساسة تتعلق بتسليح الجبهة، وطبيعة الدعم العسكري الذي تتلقاه من القيادة العسكرية الجزائرية، ومشاركة ضباط جزائريين في البنية العملياتية لما يسمى "الجيش الصحراوي"، إضافة إلى العلاقات مع أطراف خارجية، وعلى رأسها إيران. وبالتوازي مع هذا المسار الأمني، طلبت الجهات الأمريكية من "بوليساريو" تقديم مقترحات مكتوبة للحل، لكن ضمن إطار واحد لا يقبل التأويل : الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، ووفق الصيغة التي تعترف بها الولايات المتحدة ولا تتعارض مع قرارات الرئيس ترامب ولا مع الخط الرسمي للدبلوماسية الأمريكية. فواشنطن، حسب هذا المنطق، لا يمكن أن تفاوض تنظيما حول مشروع يناقض اعترافها بسيادة المغرب على صحرائه. حسب الخبراء السياسيين هنا في واشنطن فهذه المقاربة المزدوجة، استنطاق أمني، من جهة، وطلب مقترحات سياسية محكومة بسقف الحكم الذاتي، من جهة ثانية، تعكس أن "بوليساريو" وضعت أمام واقع جديد لا يترك لها هامش المناورة الذي كانت تتمتع به سابقا في ظل الإشراف العسكري الجزائري. "فعلى المستوى النظري، تملك الجبهة ثلاثة خيارات : الاستمرار في العمل العسكري، أو القبول بالحكم الذاتي، أو مواجهة العزلة والتصنيف. لكن عمليا، ووفق الرسائل الأمريكية الواضحة، تم إلغاء الخيار العسكري نهائيا، سواء ضد المغرب أو ضد مصالحه في الصحراء، وتم إسقاط أي دور جزائري عسكري مباشر أو غير مباشر في هذا المسار. وبالتالي فالخيار الوحيد والأوحد المتبقي لـ "بوليساريو" هو إما قبول الحكم الذاتي والانخراط فيه بجدية أو تصنيف الجبهة ضمن قائمة المنظمات الإرهابية المعادية للولايات المتحدة الأمريكية ومصالحها وحلفائها”، يؤكد مصدر موثوق لـ "الصباح". هكذا تجد "بوليساريو" نفسها اليوم محاصرة بين خيارين لا ثالث لهما : الانخراط في مسار الحكم الذاتي كما تراه واشنطن، أو الانتقال من خانة حركة انفصالية إلى خانة التنظيمات التي تهدد الأمن الإقليمي، بكل ما يترتب عن ذلك من تبعات قانونية وأمنية. وهو ما يؤكد أن ملف الصحراء لم يعد يدار بمنطق الأمم المتحدة وحدها، بل دخل رسميا إلى دائرة الأمن القومي الأمريكي، حيث تغلق الملفات لا بالبيانات، بل بالتصنيفات والقرارات السيادية. الجزائر... لا مكان للمنطقة الرمادية! بموازاة مع ما وقع في واشنطن، حل مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون الإفريقية والعربية، بالعاصمة الجزائرية، في زيارة التزمت بشأن فحواها السلطات الجزائرية صمتا رسميا لافتا، صمت لا يخفي ثقل الرسائل التي تحملها الزيارة ولا سياقها السياسي الدقيق. فالرجل لا يتحرك في هذا التوقيت باعتباره موفدا بروتوكوليا، بل ناقل قرار، خصوصا أن الزيارة تتقاطع مع حركية غير معلنة يعرفها ملف الصحراء داخل دوائر القرار الأمريكية، حيث لم يعد يدار بالآليات الدبلوماسية التقليدية، بل ضمن مقاربة أكثر صرامة ترتبط بحسابات الاستقرار والأمن في شمال إفريقيا والساحل. وتفيد المعطيات المتداولة أن بولس جاء إلى الجزائر لإبلاغ موقف أمريكي واضح لا يحتمل التأويل : لا حل لملف الصحراء خارج إطار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وأن واشنطن باتت تعتبر هذا الملف مقرونا مباشرة بالأمن القومي الأمريكي. وهنا، لا يعود الموقف الأمريكي مجرد دعم دبلوماسي، بل يصبح تحذيرا استراتيجيا لدولة راعية بأن زمن المناورة انتهى، وأن أي استمرار في تغذية كيان مسلح خارج منطق الدولة يعاد احتسابه اليوم عامل تهديد لا كخلاف سياسي. الجزائر، التي لطالما قدمت نفسها طرفا داعما "لحق تقرير المصير"، تجد نفسها اليوم أمام معادلة أكثر تعقيدا. فدعم كيان قد يعاد توصيفه أمنيا يضعها أمام كلفة دولية متزايدة، خصوصا في سياق دولي لم يعد يتسامح مع المناطق الرمادية. الرسالة الأمريكية، وإن لم تعلن، موجهة إليها بقدر ما هي موجهة لـ "البوليساريو" : الاستمرار في هذا المسار قد يحول الملف من ورقة سياسية إلى عبء أمني ثقيل. في المقابل، يظهر المغرب في هذه اللحظة لا كطرف يدافع عن أطروحة، بل كفاعل مركزي في معادلة الاستقرار. واشنطن لا تدعم الحكم الذاتي فقط لأنه حل واقعي، بل لأنها ترى في المغرب دولة قادرة على ضمان الأمن، وضبط المجال، وتقديم نموذج للاستقرار في منطقة مضطربة. التعاون الاستخباراتي، الخبرة في مكافحة الإرهاب، والاستقرار المؤسساتي، كلها عناصر جعلت الرباط تقرأ كشريك لا كطرف نزاع. ما جرى في واشنطن، هو لحظة كاشفة عن انتقال ملف الصحراء من زمن الدبلوماسية الرمادية إلى زمن الحسم الإستراتيجي. لم يعد النزاع ورقة قابلة للتدوير داخل أروقة الأمم المتحدة إلى ما لا نهاية. لقد دخل مرحلة جديدة، أقل تسامحا مع الغموض، وأكثر ارتباطا بحسابات الأمن القومي ومحاربة الإرهاب ومافيا المخدرات. ومن لا يقرأ هذه اللحظة جيدا، ولا يفهم أن انتقال الملف إلى وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية يعني اقترابه من خطوط حمراء جديدة، قد يجد نفسه قريبا خارج الإجماع الدولي، لا بقرار أممي، بل بتوصيف أمني لا يترك فيه مجال كبير للمناورة. ما حدث، هنا في دهاليز واشنطن، ليس تفصيلا عاديا، بل لحظة حسم. انتقال ملف الصحراء من وزارة الخارجية إلى مكتب مدير الـ "سي آي أي" يعني أن واشنطن حسمت توصيف النزاع : ملف الصحراء المغربية لم يعد قضية تفاوض، بل مسألة أمن قومي. الحكم الذاتي أصبح السقف الوحيد، ومن يرفضه لا يعامل كطرف سياسي، بل كعامل اضطراب محتمل في منطقة لم تعد الولايات المتحدة تقبل فيها الفراغ أو الفوضى. انتهى زمن المناورة، وبدأ زمن القرار .. والقرار واحد كما أكده جلالة الملك هو أن المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.