حين غيرت قوات الحلفاء وجه العالم انطلاقا من المغرب في نونبر 1942، نفذت القوات الأمريكية والبريطانية عملية "طورش" (Operation Torch)، وهي عملية إنزال بحري كبرى في شمال إفريقيا، بما في ذلك الجزائر. كان الهدف الرئيسي منها التخلص من القوات الألمانية والإيطالية من شمال إفريقيا. عملية طورش كانت أول تدخل أمريكي كبير في الحرب الأوربية، وأسفرت عن تحرير شمال إفريقيا من القوى المحورية، وفتحت الطريق لغزو صقلية في 1943 والاستعداد للهجوم على أوربا من الجنوب.بعد الإنزال، تمكنت القوات الحليفة من إقناع القوات الفرنسية في شمال إفريقيا للانضمام إلى الحلفاء، وهذا ساعد في تسريع النصر على القوى المحورية في المنطقة. في هذا الخاص تحاول "الصباح" تسليط الضوء على هذا الحدث المفصلي الذي غير وجه العالم من خلال كتاب صدر أخيرا للباحثة وجدان المرضي بعنوان "عملية طورش والإنزال الأمريكي بالمغرب" الصادر عن منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير. إعداد: عزيز المجدوب في كتابها "عملية طورش الإنزال الأمريكي بالمغرب" حاولت الباحثة وجدان المرضي تسليط الضوء على السياقات والظروف الخارجية التي أحاطت بإحدى أهم عمليات الإنزال العسكري التي شهدها العالم خلال الحرب العالمية الثانية وكانت الشواطئ الأطلسية المغربية مسرحا لها. وأشارت وجدان المرضي في الكتاب إلى أن قوات الضرب الغربية الأمريكية التي استهدفت القيام بثلاثة إنزالات بشواطئ المغرب انقسمت إلى ثلاث مجموعات فرعية. وحملت كل مجموعة حرفا رمزيا وهو:X وأعطي هذا الحرف الرمزي لمجموعة الإنزال الجنوبي، وتكونت من 6428 رجلا للإنزال بآسفي، لتنفيذ عملية أعطي لها الاسم الرمزي "بلاكستون" وسميت قواتها بمجموعة الهجوم الجنوبية. أما الحرف الثاني فهو Y الذي أعطي لمجموعة الإنزال الوسطى، وتكونت من 19364 رجلا للإنزال بالمحمدية والاستحواذ على الدار البيضاء ومينائها لتنفيذ عملية أعطي لها الاسم الرمزي "براشوود" وسميت قواتها بمجموعة الهجوم الوسطى/ المركزية. بينما الحرف الثالث Z أعطي لمجموعة الإنزال الشمالي، وضمت 9079 رجلا للإنزال بمصب نهر سبو عبر المهدية، للوصول إلى "بورليوطي" (القنيطرة)، لتنفيذ عملية أعطي لها الاسم الرمزي "كولبوست"، وسميت بمجموعة الهجوم الشمالية. وشهدت المرحلة ما بين ليلة 7/8 نونبر إلى 11 نونبر 1942 معارك بين القوات الأمريكية وقوات "نوغيس" بشواطئ المهدية وبورليوطي وفضالة والدار البيضاء وآسفي، عندما قرر المقيم العام الفرنسي التصدي لقوات النزول الأمريكية بأمر من حكومة "فيشي". "بلاكستون" بآسفي قبيل منتصف ليلة 7/ 8 غشت 1942 تموقعت قوات الإنزال الأمريكي أمام آسفي ابتداء من الحادية عشرة والنصف ليلا، وكانت الليلة حالكة، فتم تأجيل الإنزال إلى الرابعة و38 دقيقة. وفي صبيحة الثامن من نونبر استيقظ قبطان حامية آسفي "فرانسوا دوف" على مكالمة هاتفية، تدعوه إلى إعلان حالة الطوارئ بحاميته، والالتحاق بموقع قيادته، وإعطاء الأوامر لجنوده رغم قلة عددهم الواصلة إلى أربعمائة وخمسين جنديا، رغم ضعف تجهيزاتهم، استعدادا لما قد يداهم المدينة من جهة البحر. حددت شواطئ الإنزال، وأعطيت لها أسماء رمزية، وكان بعضها أسفل أجراف هضبية وهي: شاطئ أحمر وشاطئ أزرق وشاطئ أصفر، وأعطي للميناء الاسم الرمزي شاطئ أخضر، واعترضت النزول عدة صعوبات، فبالإضافة إلى أن الليلة حالكة، هناك ما تعلق بثقل حمولة الجنود الذين بلغ عددهم 6428 رجلا بينهم 327 ضابطا، وعدد من الآليات الحربية وصل 779 مركبة، والتي صعبت عملية الهبوط بواسطة الشبكات المعدة لذلك، ومنها ما تعلق بقلة التجربة عند عدد كبير منهم. واستمرت عملية النزول واستكملت قوات الهجوم الجنوبية، واستطاع الأمريكيون إلقاء القبض على الجنود الفرنسيين والمغاربة، والسيطرة على النقط الأساسية من مخازن البترول ومحطة الاتصال ومحطات البريد وقوات الشرطة المدنية وملتقيات الطرق، ولم يعد في استطاعة الجنود الفرنسيين الاستمرار في المقاومة. وبعد ساعات قليلة أصبحت كل المدافع الفرنسية خارج العملية، وحوصر جنود الحاميات وعزلت ثكناتها، وفي اليوم الموالي انطلقت القوات الأمريكية نحو الدار البيضاء، واصطدمت مع القوات القادمة من مراكش عند ملتقى الطرق ببوكدرة. وكانت إحدى عشرة ساعة كافية للأمريكيين لاحتلال آسفي، إذ في اليوم الموالي أعلن رسميا عن إيقاف إطلاق النار، وتم الاستيلاء مساء على المطار، ووصلت جيوش الإنزال إلى أزمور يوم 11 نونبر منطلقة تجاه الدار البيضاء. "براشوود"... فضالة والدار البيضاء اختار الجنرال "باطون"، لتنفيذ عملية "براشوود" التي أعطي لها الحرف الرمزي Y، قوات عسكرية قوامها 19364 جنديا بينهم 1087 ضابطا معززين بألف واثنين وثلاثين آلة حربية متحركة. وكان الهدف الأساس لهذه العملية الاستيلاء على الدار البيضاء ومينائها. وتم اختيار فضالة للنزول لاحتمال ضعف المقاومة، على عكس "بورليوطي" (القنيطرة) وآسفي أو تلك المحتملة بالدار البيضاء، واتخاذها نقطة لتجميع القوات بعد النزول، والانطلاق نحو الدار البيضاء لإسقاطها بيد الأمريكيين. ورغم التدابير والتحضيرات والإجراءات الدقيقة للإنزال بشواطئ فضالة (المحمدية)، فقد كانت الخسائر المادية والبشرية كبيرة في صفوف القوات الأمريكية، لا بسبب التصدي للهجوم من قبل الفرنسيين، ولكن بسبب العامل الطبيعي، وقلة خبرة وتجربة بعض الجنود، وبسبب بعض الأخطاء التقنية، حيث رافقت عملية النزول بفضالة مشاكل طبيعية وتقنية أساسا، فكانت عملية الإنزال أسهل من غيرها، لكنها فشلت أكثر من غيرها ما جعل الجنود يتذمرون ويرفضون النزول بواسطة الشبابيك الممدودة على جوانب السفن لقلة خبرتهم. وكانت النتيجة أن علق الكثير من الجنود في عيون الشبابيك فزلق وغرق عدد كبير منهم في البحر، بحكم أنهم كانوا يحملون أثقالا كثيرة، كما أدت أخطاء الملاحة إلى تكبيد القوات الأمريكية خسائر تمثلت في تحطم زوارق وقوارب على شواطئ المحمدية وصل عددها إلى 262 وحدة، ولقي حوالي 300 جندي حتفهم. أما الزوارق التي وصلت بسلام، فقد وصلت متباعدة ما سبب صعوبة في تجميع الجنود النازلين، وهكذا تطلب النزول وقتا أكثر مما كان منتظرا. تواجهت القوات الأمريكية والفرنسية، واستمر تبادل النار في المحمدية، لكن الأمريكيين تمكنوا من شل قدرات الجيش الفرنسي، وإسكات المدافع عن طريق كتائبهم، كما سيطرت على النقط الاستراتيجية بالمدينة، مثل الرأس الشرقي وقنطرة وادي نفيفيخ وتم إيقاف قطار الرباط واعتقال عدد كبير من الجيش الفرنسي مشاة وبحرية. وهكذا انتهى الأسطول الفرنسي في اليوم الأول، وحطت الطائرات الأمريكية على ظهر حاملاتها منتصرة ما يعني فشل الفيشيين في التصدي. وواصلت القوات الأمريكية زحفها نحو الدار البيضاء، واستولت على التحصينات المدفعية بعين السبع، ولم يعد هناك ما يمنع وصول المشاة إلى المدينة، في المقابل حدثت مواجهات عسكرية بحرية وجوية انتهت باستسلام المقيم العام الفرنسي "نوغيس" بعد أن تكبدت القوات الفرنسية خسائر جسيمة. "كولبوست" بالمهدية والقنيطرة تعد عملية "كولبوست" التي أعطي لها الحرف الرمزي Z من أكبر العمليات تعقيدا، وتم تنفيذها بجيش قوامه أزيد من 9 آلاف جندي بينهم أزيد من خمسمائة ضابط و881 آلة حربية متحركة، وأسطول بحري بحاملات الطائرات والناقلات والمدرعات. وانقسمت قوات تنفيذ العملية إلى ثلاثة فروع، تكلفت بالنزول الأرضي بشواطئ المهدية، والوصول إلى "بورليوطي" (القنيطرة)، أساسها ثلاث كتائب خصص لكل كتيبة إنزال اسم رمزي لنقطة النزول، وكان عددها خمسة، فعين اسم شاطئ أصفر وشاطئ أزرق نقطتي نزول في أقصى الجنوب من فم الواد للكتيبة الأولى، واسم شاطئ أخضر بشاطئ المهدية للكتيبة الثانية، ثم شاطئ أحمر بالشليحات على الضفة اليمنى لنهر سبو للكتيبة الثالثة. وكان الهدف الأساس من العملية ككل هو الاستيلاء على المهدية والقصبة القديمة بها قصد الوصول إلى المطار الجوي/ البحري "بورليوطي"، إذ تم اعتباره مفتاح غزو شمال إفريقيا. كانت أكبر مشكلة واجهت عملية "كولبوست" إضافة إلى المقاومة العنيفة، التعزيزات الفرنسية الآتية من الرباط جنوبا، والتعزيزات الآتية من فاس ومكناس شمالا. واستمر القتال بعد النزول ثلاثة أيام، وكانت الخسائر جسيمة عند الفريقين، وكان من بين القتلى الأمريكيين الكولونيل "كروا" الذي كان يحمل رسالة من رئيس القوات الأمريكية الجنرال "تراسكوت" إلى رئيس القوات الفرنسية ببورليوطي قصد الاستسلام. وانتهت العمليات الثلاث ببلوغ الأهداف المسطرة، وأبانت عن ضعف فرنسا التي استسلمت في شخص "نوغيس" وانهزام حكومة فيشي، الذي كان في المقابل انتصارا غير مباشر لحكومة دوغول التي كانت تعارضها في الاختيارات. تداعيات الإنزال الأمريكي كانت للإنزال الأمريكي بالمغرب تداعيات سياسية واستراتيجية وعسكرية على المستوى الخارجي والداخلي، إذ تغيرت استراتيجية الحرب العالمية الثانية، ودخلت معاركها منعطفا جديدا في اتجاه تغير مصالحها لصالح الحلفاء، خاصة بعد مؤتمر أنفا في 1943، وبداية الانكسارات الصادمة لدول المحور. وتغير موقف المغرب من الإقامة العامة، إذ لم تعد فرنسا موجودة بالمعنى السياسي، وتوفرت ظرفية جديدة أمام الحركة الوطنية لتغيير موقفها من المطالبة بالإصلاحات إلى المطالبة بالاستقلال. وساهم الإنزال أيضا في إحداث تغييرات اقتصادية واجتماعية في البلاد استمرت آثارها إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية. وحاول الأمريكيون كسب عطف المغاربة وتأييدهم، قبل الإنزال وبعده، وعندما تحقق فرحوا واستبشروا خيرا، وغمرت الفرحة الحانقين على المقيم العام "نوغيس" وسلوكه المتعالي المرتبط بالقمع والتخويف، والمعارضين إجمالا للفيشيين وأتباعهم. ووثق الفنان الراحل الحسين السلاوي هاته الفترة في أغنيته الشهيرة "الماريكان"، إذ قال في مقطع منها "فرقوا الفنيد والسيكار/ زادو الدولار/ فرقو الفنيد أفليو/ زادو شوينغوم/ حتى الغبرة والحمّير/ زادو البومبوم/ قوا علينا الكباردي/ من الناس فارحين/ ساعة الزكا معاهم/ الناس رابحين...". كما وثق السلاوي تحسن الوضع المعيشي للبعض من المغاربة، خاصة الذين كانوا بمناطق انتشار الجنود الأمريكيين، في مقطع من الأغنية بقوله "الزين والعين الزرقا/ جانا بكل خير/ اليوم نمشيو بالفرقة/ بناتنا ف خير". وكان الأمريكيون يتقبلون طبائع المغاربة ولا يقتربون من أماكنهم المقدسة أو يحاولون دخولها، إذ تم توزيع كتيب على هؤلاء الجنود فيه التعليمات الواجب اتباعها احتراما لسلوكات وتقاليد وعادات ومشاعر المغاربة الاجتماعية والعقائدية. في المقابل دخلت سلوكات على المجتمع المغربي ساهم فيها الجنود الأمريكيون مع نساء سواحل الإنزال، كانت لها آثار نفسية وأخلاقية واجتماعية على السكان، وهو ما أشار له السلاوي في الأغنية من خلال مطلعها الذي قال فيه "دخلت الماريكان/ الناس تقوات والنسا علينا جارو/ المزوجات دارو السباب/ على رجالتهم غابو..". واختزلت هذه الأغنية الهيمنة الثقافية الأمريكية القادمة بعد النزول، وهيمنة سلوك جديد على المجتمع، يخفي الضعف والهشاشة الاجتماعية التي يعانيها.