ماضي جيولوجي وبيئي وبشري متجذر في القدم قفزت الدار البيضاء، أخيرا، إلى واجهة الاكتشافات العلمية والأركيولوجية بعد النتائج التي تم الإعلان عنها بشأن بقايا أقدم إنسان تم اكتشافه في موقع "طوما" ما جعل المنطقة موقعا لأحد أقدم أنواع الجنس البشري عبر التاريخ. وتلقي الحفريات المكتشفة ضوءا على فترة رئيسية في تطور الإنسان، كما تظهر الحفريات بقايا بشرية تمثل سلالة قريبة من السلف المشترك للإنسان العاقل ونياندرتال، مما يعزز مكانة المغرب محورا أساسيا في دراسة أصول الإنسان. إلا أن هذه الاكتشافات لم تكن سوى تتويج لمسلسل طويل من الحفريات خضعت لها المنطقة منذ مطلع القرن الماضي. في هذا الخاص تسلط "الصباح" الضوء على جانب من هذا التاريخ الممتد. إعداد: عزيز المجدوب يرى الباحث الفرنسي أندري آدم، في كتابه "الدار البيضاء من النشأة إلى 1914" أن موقع مدينة الدار البيضاء غشيه سكان عمروا من غابر العصور والأزمان. رغم أننا لا نعرف كثيرا عن هؤلاء "البيضاويين المجهولين"، الذين عمروا الموقع في سحيق العهود، فإننا في المقابل لا نعدم الشهادات المحققة على وجودهم، وعلى حضورهم في هذه الأماكن، وعلى استمرارهم بها لعشرات الآلاف من السنين. ومن الأمثلة التي يسوقها آدم، في الكتاب الذي ترجمه الباحث عبد الرحيم حزل، ما تم اكتشافه قرب مقلع "شنايدر" (حيث كان موقع مطار أنفا)، على أدوات حصوية pebble –tools قام بتهيئتها الإنسان مما وقع عليه في المكان عينه، أو جلبتها بعض الصنائع، ثم صارت أشكالها إلى تبدل وتغير في الحقب القريبة. وتكثر المكامن السطحية، ذات الهيآت الآشولية، العائدة إلى العصر الحجري الأدنى، خاصة في مضمار سباق الخيل القديم (بهضبة أنفا) وفي الوازيس، وفي حي المستشفيات ومرس السلطان. كما تم العثور في حي "ليرميتاج" على بقايا تنبئ بصناعة اجتمعت عليها معظم العصور والحقب، ومن العصر الآشولي، وحتى العصر الحجري الحديث، وعثر في محطة الصخور السوداء الحرارية، على الطريق الرابطة بين فضالة والرباط على "معاظم" حقيقية تعتبر دلائل على صناعة تعود إلى العصر الحجري الحديث. وفي حي عين الشق تم العثور على "معظمة" زاخرة، اشتملت في جوفها على مكمن ضم قدرا وافرا من المصنوعات الخزفية والأحجار الملمسة والمخلفات البشرية، والمصنوعات الخزفية. الأشغال العمومية منطلق الاكتشافات يرى الباحث إبراهيم فدادي أن الأشغال العمومية الأولى التي قامت بها السلطات الاستعمارية في بداية القرن العشرين السبب المباشر في إخراج ماضي الدار البيضاء إلى الوجود، إذ كلما قام المعمر بتلك الأشغال إما لمد قنوات المياه أو لاقتلاع حجارة البناء من المقالع أو لحفر الآبار أو لشق الطرقات أو لحفر أسس المباني العمومية أو الخاصة في أي مكان بالمدينة الحالية، إلا وعثر على لقى تدل على أن الإنسان البدائي قد سبق إلى الاستقرار والعيش بهذه المنطقة منذ آلاف السنين. ويضيف فدادي، في دراسة نشرت ضمن كتاب جماعي بعنوان "الدار البيضاء في مائة سنة (1907 ـ 2007)، أن منطقة سيدي عبد الرحمن هي المقالع الأولى التي استعملها المهندسون لقطع الحجارة وجلبها للميناء، وقد لعبت الصدفة دورا مهما في العثور على الآثار الأولى للحيوانات وأدوات حجرية وآثار بشرية في هذه المقالع، وشجع ذلك علماء الآثار وعلماء الجيولوجيا على الاهتمام بالمنطقة طيلة القرن العشرين. واشتغلت بموقع سيدي عبد الرحمن وهو عبارة عن حافة صخرية، عدة شركات فرنسية، وسميت بأسماء مستغليها لاحقا مثل "مقالع شنايدر" ومقالع طوما" و"مقالع مارتان" وغيرها. اهتمام بحثي فرنسي عبر ثلاثة عقود من الاستغلال بدأت تظهر مغارات متعددة على الحافة الصخرية من بينها مغارة الدببة ومغارة وحيد القرن ومغارة الفيل ومغارة الغزال ومغارة القواقع ومغارة نوفيل ورولمان وغيرها، وظهرت فيها، عن طريق الصدفة، بعض بقايا العظام الحيوانية وأدوات حجرية ترجع إلى فترة ما قبل التاريخ اهتم بها الهواة في البداية، وفي بداية الثلاثينات اهتم بها الباحثون الجيولوجيون والأنثربولوجيون وعلماء ما قبل التاريخ. وابتداء من 1940 فتحت الشركات المختصة باقتلاع الحجارة مقلعا جديدا بمنطقة سيدي عبد الرحمن سمي مقالع "شنايدر" نسبة إلى الشركة المستغلة، وأثناء الاستغلال ظهرت مغارة جديدة اهتم بها الباحثان نوفيل ورولمان، لتنتقل شهرة الموقع إلى العالم باعتبارها موقعا غنيا من الناحية العلمية خاصة عندما نشر الباحثان أعمالهما في السنة الموالية في كتاب بعنوان "مكانة الباليوليتيك القديم في الزمن الرباعي المغربي" تناولا فيه نتائج مقلع شنايدر والمغارات التي ظهرت فيه، إلا أن وفاة رولمان في 1948 ونوفيل في 1952 أدت إلى إهمال الموقع وساهمت في اندثار بعض المعالم الأثرية بالمنطقة. حفريات "بيبرسون" استأنف الباحث "بيبرسون" الحفريات بالموقع ذاته، بعد تعيينه مشرفا على الأبحاث الأثرية بمقالع شنايدر، كما تم القيام بعدة مكتشفات أثرية بالمنطقة، وقد كان لاستعمال الآلات الضخمة في القيام بالتنقيبات في السنوات الأولى ل"بيبرسون" والطريقة السريعة التي تمت بها هذه الحفريات الأولى بالمقالع أثرها في اختفاء عدد من اللقى الأثرية الحيوانية منها أو الحجرية. وفي السنوات الموالية استطاع "بيبرسون" أن يختار بعض الأماكن البعيدة عن مكان اقتلاع الحجارة، ويبدأ الحفريات بطريقة جديدة تأخذ بعين الاعتبار كل المقاييس العلمية والتقنية للتنقيبات الأثرية، ومنذ ذلك الحين ظلت حفريات مقالع "شنايدر" تقدم معلومات ستراتيغرافية عن طبقاتها وماقبل تاريخية. ونتيجة لهذه الحفريات أصدرت سلطات الحماية الفرنسية ظهيرا في 1951 لحماية هذا الموقع واعترفت به منطقة مهمة من الناحية الأثرية. موقع سيدي عبد الرحمن يعتبر سيدي عبد الرحمن من بين أهم المواقع الأركيولوجية بالمغرب وأقدمها، إذ تعود أولى الحفريات في الموقع إلى 1941 وآخرها سنة 1995، حيث تم اكتشاف خلال هذه المدة آثارا تعود إلى عصر ما قبل التاريخ. وقد اكتسب المكان شهرة بعد اكتشاف جزء من فك سفلي بشري يعود لأكثر من 200 ألف سنة في مغارة حلزونات البحر سنة 1955. وفي 1952، يضيف فدادي، بدأت الحفريات بطريقة منظمة وعلمية في "مغارة الدببة" ثم "مغارة وحيد القرن" ونشرت أبحاثها في السنة الموالية، بينما تم العثور سنة 1955 على البقايا البشرية التي سميت إنسان سيدي عبد الرحمن، عبارة عن شقفتي فكين في كتلة من الحث كانت تملأ نفقا في المغارة، وما تم العثور عليه هو جزء من الفك السفلي الأيمن مع ثلاثة أضراس ظاهرة والقطعة الثانية جزء من الفك السفلي الأيسر مع ضرس واحد ظاهر أي أربعة أضراس في المجموع. كما عثر الباحث "بيبرسون" في بعض الطبقات الستراتيغرافية داخل هذه المغارة على مجموعة من العظام الحيوانية الثدية المفترسة، مثل الدببة والضباع، إضافة إلى بقايا مجموعة من الحيوانات الأخرى التي أتت بها الضباع أو الإنسان، لاحقا، إلى هذه المغارة، كما وجد بها مجموعة من الأدوات الحجرية وبعض القواقع الكاملة وبقايا بيض النعام في بعض الطبقات الأخرى. وحاول "بيبرسون" تتبع التطورات الجيولوجية التي عرفتها المنطقة فقام بدراستين في 1957 و1958 حول الزمن الرباعي بالدار البيضاء، وحاول تفسير كيفية تكوين مختلف الطبقات الستراتيغرافية بمنطقة سيدي عبد الرحمن، وفسر ذلك بأن المنطقة غمرتها مياه الأمطار والفرشات المائية بعد أن انحسر عنها البحر في وقت سابق. كما أعطى الباحث نفسه وصفا دقيقا لمختلف الطبقات الستراتيغرافية، التي ملأت المغارة في الفترات القديمة، مستنتجا أن المغارات من أصل "كارستي"، وأنه من الممكن أن تكون لها أبواب مفتوحة على الهواء قبل أن تغمرها مياه البحر في وقت لاحق وتسد منافذها، ثم في وقت آخر انحسر عنها البحر بحوالي 30 مترا. وذكر "بيبرسون" أن دراسة منطقة سيدي عبد الرحمن مهمة جدا لأن ما تم العثور عليه من حيوانات لا يستهان به، كما أن المقاطع الستراتيغرافية تتميز بسهولة قراءتها وتساعد على ضبط تطور الساكنة الحيوانية لهذه المنطقة. إذ يمكن ملاحظة أنه في الفترة المطيرة الثالثة، هناك استيطان واستقرار مجموعة من الحيوانات السافانية بمنطقة الدار البيضاء، مثل وحيد القرن والفيل والحمار الوحشي وفرس النهر، وهذه الأنواع من الحيوانات تعيش في أمكنة تكثر فيها الأمطار. كما تكمن أهمية الموقع في الأدوات الحجرية التي استعملها الإنسان البدائي بالمنطقة، وهذه الأدوات الحجرية تم اكتشافها في الطبقات الستراتيغرافية، التي عثر على بقايا إنسان سيدي عبد الرحمن وبعضها الآخر عثر عليه في طبقات غير بعيدة عن فكه. ورغم شح المعلومات في ما يخص الكثير من المعلومات حول الحياة المعيشة لهذا الإنسان إلا أنه يمكن أن نستنتج من خلال عظام الحيوانات المفترسة التي وجدت قرب مكانه، وكثير من أدوات الصيد التي صنعها والتي تصلح للصيد والقطع أنه كان صيادا، ولم يتم العثور على أي دليل أن إنسان سيدي عبد الرحمن قد اكتشف النار. أخذت الحفريات منحى آخر نهاية السبعينات، بوضع برنامج علمي مغربي/ فرنسي في إطار شراكة جمعت بين باحثين مغاربة وفرقة من الباحثين تابعة لبعثة وزارة الخارجية والتعاون الفرنسي. وبعد إنشاء المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث في 1985 تشكلت فرق مغربية فرنسية لمواصلة البحث والتنقيب في المكان نفسه. كما أسفرت الأبحاث والحفريات، التي تواصلت إلى غاية منتصف التسعينات، أيضا عن اكتشاف آلاف الأدوات والأحجار المنحوتة وحيوانات أحفورية كثيرة، في مواقع مثل مقالع "أولاد احميدا 1" ومقالع "طوما 1" بشكل منح للدار البيضاء سمعة دولية جعلتها تصنف ضمن أقدم المواقع العالمية، وهو الأمر الذي لم يتم الاهتمام به محليا إلا في السنوات الأخيرة.