ملاحقات قضائية لموظفين وجمعويين لإعادة الأموال مقابل التنازل بعد 20 سنة من تجريب وصفة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي أطلقها جلالة الملك محمد السادس في 18 ماي 2005، حول البعض أموال هذا الصندوق الممول للمشاريع المدرة للدخل إلى بقرة حلوب، وكشفت أبحاث قضائية وأمنية عن أن المشاريع ظلت حبرا على ورق، قبل أن تطالب الجهة المتضررة في السنوات الأخيرة النيابة العامة بفتح أبحاث في الموضوع بعد تقارير رجال الإدارة الترابية عن"لهف" أموال هذه الأنشطة. إنجاز: عبد الحليم لعريبي جعلت أعلى الجهات بالبلاد من صندوق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية أداة لمحاربة الفقر والهشاشة الاجتماعية. وأحدثت بالعمالات والأقاليم أقسام للعمل الاجتماعي مهمتها تلقي طلبات الجمعيات والتعاونيات للحصول على تمويلات قصد التحسين من الدخل الفردي والجماعي. لكن بعد تجريب الوصفة تبين أن بعض الجمعيات "لهفت" الأموال المرصودة لمشاريعها، لتقرر وزارة الداخلية ملاحقة المتلاعبين أمام القضاء الزجري، وكل مشروع تفوق قيمته المالية عشرة ملايين سنتيم يجد طريقه إلى أقسام الجرائم المالية بالمحاكم الاستئنافية الأربع، وهي الرباط وفاس والبيضاء ومراكش . الخميسات... مسؤولون في قفص الاتهام من القضايا الكبرى التي تحركت فيها وزارة الداخلية ووالي جهة الرباط سلا القنيطرة، ما حدث بالخميسات، حينما أظهرت تقارير الإدارة الترابية وجود تلاعبات مالية بالتمويلات المرصودة للأنشطة المدرة للدخل. ويتعلق الأمر برئيس قسم العمل الاجتماعي سابقا بعمالة الخميسات، وأربعة موظفين معه ومقاولين ورؤساء جمعيات. وبلغ عدد من سطرت لهم القاضية لبنى لحلو، رئيسة الغرفة الخامسة المكلفة بجرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بالرباط، المتابعة 25 متهما، مؤكدة وجود أدلة في تلاعبهم بمشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وبحصولهم على تحويلات مالية من صندوقها مقابل رشاو، دون أن تخرج المشاريع المدرة للدخل لحيز الوجود. وتابعت القاضية خمسة مسؤولين بجرائم اختلاس وتبديد أموال عمومية والتزوير في محررات رسمية ووثائق عمومية وإدارية، كما تابعت فاعلا باختلاس وتبديد أموال عمومية وتسلم مبلغ مالي، من أجل الامتناع عن القيام بعمل من أعمال الوظيفة وإقصاء أحد المتزايدين من المنافسة باستعمال التواطؤ وأساليب احتيالية والتزوير في محررات رسمية ووثائق إدارية عمومية، فيما واجه أغلب المتابعين الآخرين جريمة المشاركة في اختلاس وتبديد أموال عمومية. اتهامات مباشرة لعامل سابق بعد تضييق الخناق على المتلاعبين والموظفين المسؤولين، صوب أغلب الموظفين المتابعين المدافع نحو عامل سابق لعاصمة زمور، متهمينه باسمه العائلي والشخصي وصفته بأنه الفاعل المدبر في هذه الجرائم، كما لم يجدوا حرجا في تأكيدهم هذا أمام ضباط الفرقة الوطنية للأبحاث القضائية التابعة لجهاز الدرك الملكي، وطالبوا بتدوين اسم المسؤول الأول عن الإدارة الترابية في المحاضر الرسمية، حينما صرحوا بأن العديد من الأسئلة الموجهة إليهم ينبغي أن يجيب عنها عامل الإقليم باعتباره الرئيس الفعلي لصندوق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية. تقارير المجلس الأعلى للحسابات سقط المتابعون حينما اكتشف المجلس الأعلى للحسابات تفويت مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في إطار الشراكات التي تربط عمالة المدينة مع جمعيات المجتمع المدني، في ظروف مشبوهة ولم تحترم المعايير المحددة، وهو ما طرح عددا من علامات الاستفهام عن طرق الانتقاء والموافقة النهائية أثناء عقد الاجتماعات بمقر عمالة المدينة. وأثار تفويت الدعم المالي والتقني إلى الجمعيات في إطار الشراكات مع وزارة الداخلية، الكثير من الشبهات والقراءات، انتهت بفتح تحقيق قضائي، لتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات الزجرية القضائية. وأسندت مهام الأبحاث التمهيدية في بداية الأمر إلى ضباط من الفصيلة القضائية للدرك الملكي بالقيادة الجهوية للجهاز بالخميسات، وبعد اتساع دائرة الأبحاث وتبادل الاتهامات بين الأطراف المعنية، ووضع عامل سابق للمدينة في قفص الاتهام، أحيلت النازلة على الفرقة الوطنية للأبحاث القضائية بثكنة شخمان بالرباط، واضطرت الضابطة القضائية إلى تدوين اسم العامل أكثر من ست مرات بمحاضر البحث التمهيدي بإلحاح من مشتبه فيهم. استدعاء العامل تزامنا مع الإحالة على غرفة الجنايات الابتدائية والشروع في تجهيز الملف قصد مناقشته بقاعة جرائم الأموال، يستعد محامون مختلفون لاستدعاء مسؤول الإدارة الترابية الأول سابقا عن الإقليم للحضور إلى غرفة الجنايات الابتدائية، بعدما أقر متابعون أنه كان يوقع على المشاريع، ويقتصر دورهم على القيام بالمهام الموكولة لهم. أستاذ نهب أموال حافلة فريق كروي في قضية مشابهة وعنوانها السطو على أموال المبادرة الوطنية، أصدرت غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بجرائم الأموال لدى محكمة الاستئناف بالرباط، عقوبة ستة عشر شهرا حبسا نافذا في حق أستاذ للرياضة "لهف" 32 مليون سنتيم من أموال المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وبلدية سيدي يحيى الغرب، كانت مخصصة لاقتناء حافلة لفريق كرة القدم داخل القاعة. وزكت هيأة المحكمة ما ذهبت إليه قاضية التحقيق المكلفة بجرائم الأموال لدى محكمة الاستئناف في شأن متابعته بجرائم اختلاس وتبديد أموال عمومية والتزوير في محرر عرفي واستعماله وصنع عن علم إقرار يتضمن وقائع غير صحيحة، بعدما أثبتت التحقيقات تلاعب الفاعل في وثائق الجمعية المسيرة للفريق الكروي داخل القاعة وسحبه الأموال المودعة من قبل صندوق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بسيدي سليمان وبلدية سيدي يحيى الغرب. وقضت المحكمة بإعادته مبلغ 21 مليون لفائدة صندوق المبادرة وثلاثة ملايين تعويضا لها عن الضرر الذي لحقها، ومليون غرامة لفائدة خزينة الدولة. لكن الجرد الذي قامت به عمالة سيدي سليمان أكد "لهفه" 32 مليون سنتيم، بعدما أوهم السلطات الترابية بأنه أنجز مشاريع تنموية رياضية، ويحتاج إلى حافلة من أجل تنقل الفريق إلى مدن أخرى، لكن التحقيقات التي أجرتها الإدارة الترابية أكدت أن المشروع بقي حبرا على ورق وأن الفاعل استولى على المبلغ المقدم له من صندوق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية. وتقرر إيداع أستاذ للتربية البدنية بثانوية تأهيلية، رهن الاعتقال الاحتياطي بسجن تامسنا، منذ شهور بعدما أظهرت التحقيقات خطورة الأفعال الجرمية المرتكبة من قبله. ورفض الأستاذ إعادة المبلغ المنهوب لصندوق المبادرة الوطنية رغم أن الجرد النهائي أكد سطوه على 32 مليون سنتيم، وورطته تصريحاته أمام الضابطة القضائية والنيابة العامة وأيضا قاضية التحقيق، كما منحته المحكمة مهلة لتسوية الوضعية مع عمالة سيدي سليمان، لكن دون جدوى. استغلال استغل الأستاذ رئاسته لجمعية اجتماعية وطلب دعم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، بعدما قدم ملفا متكاملا حول رغبته في إنجاز مشروع تنموي يستهدف المراهقين الراغبين في تعلم كرة القدم داخل القاعة، لكن أثناء موافقة العمالة بعد إجراء السلطات الترابية أبحاثها جرى تمرير المبلغ المالي لحساب الجمعية التي يرأسها، بعدما قدم الموقوف عرضا أمام لجنة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي ترأسها العامل السابق للمدينة، وضع فيه أهداف المشروع وفق جدول زمني محدد، كما وضع قيمة المبلغ المالي المطلوب، وطلبه شراكات قطاعات حكومية أخرى. وبعدما تبين أن المبلغ المالي يفوق عشرة ملايين سنتيم اعتبرت النيابة العامة لدى محكمة الاستئناف بالقنيطرة، أن الاختصاص يعود للوكيل العام للملك بالرباط، في إطار الاختصاص النوعي والترابي. واعترف الموقوف بصرفه أموال المبادرة في أغراض ذات طبيعة شخصية، وأثناء اقتراح إعادة المبلغ على صندوق المبادرة مقابل حصوله على تنازل، رفض ذلك، مؤكدا أن رصيده بالحساب البنكي فارغ. عريب: يجب ضبط المجال يقول المحامي حاتم عريب إن أموال صندوق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية جرى التلاعب فيها منذ انطلاقتها قبل 20 سنة، لكن يظهر أن وزارة الداخلية أعادت الروح لهذا الصندوق من خلال تعقب آثار المشاريع المدرة للدخل. ويشدد المحامي نفسه على أن المشاريع الجديدة باتت ترافقها دراسات وأبحاث ومراقبة من قبل مصالح الإدارة الترابية، كما أصبح العمال بمثابة الرؤساء الفعليين للمبادرة ولا يمكن تفويت أي مشروع إلا بعد وضع الدراسات حول نتائجه والأهداف المتوخاة منه، بمعنى أن التوجه السائد هو تحقيق الأهداف المرجوة منه. وينبه المتحدث ذاته إلى أن الأموال المرصودة تستنزف ميزانية الدولة، وأن جلالة الملك محمد السادس، ركز على ضرورة أن تكون الأنشطة المرافقة للتمويلات مدرة للدخل على أصحابها، مضيفا أن الهدف الأسمى هو محاربة الفقر والهشاشة الاجتماعية. ولا يخفي عريب بأن أبحاثا قضائية في عدد من الملفات أظهرت هفوات لموظفين مسؤولين ورجال سلطة ومنتخبين في استغلال هذا النوع من المشاريع لتحقيق مآرب شخصية، بل إن المنتخبين جعلوا منه الفرصة المواتية للقيام بالحملات الانتخابية. الفصل 241 جاء في الفصل 241 من القانون الجنائي ما يلي :"يعاقب بالسجن من خمس إلى عشر سنوات كل قاض أو موظف عمومي بدد أو اختلس أو احتجز بدون حق أو أخفى أموالا عامة أو خاصة أو سندات تقوم مقامها أو حججا أو عقودا أو منقولات موضوعة تحث يده بمقتضى وظيفته أو بسببها . فإذا كانت الأشياء المبددة أو المختلسة أو المحتجزة أو المخفاة تقل قيمتها عن ألفي درهم، فإن الجاني يعاقب بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات». أما الفصل 242 من القانون الجنائي فنص على أن :"كل قاض أو موظف عمومي أتلف أو بدد مستندات أو حججا أو عقودا أو منقولات ائتمن عليها بصفته تلك أو وجهت إليه بسبب وظيفته وكان ذلك بسوء نية أو بقصد الإضرار فإنه يعاقب بالسجن من خمس إلى عشر سنوات». والواضح من هذه الفصول أن المشرع المغربي قد ميز بين جرائم التبديد والاختلاس والاحتجاز بدون حق. وجريمة الاختلاس اعتمادا على الفصول السابقة هي إخلال الموظف بالثقة والأمانة اللتين أولتهما إياه الدولة بحيث تعتبر من الأمور التي يجب على الموظف المحافظة عليها. فإذا استولى على المال الذي وضع بين يديه أو على أي شيء يدخل في حكمه بسبب وظيفته يعد مرتكبا لجريمة الاختلاس المعاقب عليها.