مناسبة لمناقشة الإنجازات الحكومية في تفعيل الهوية يحتفل المغرب بالسنة الأمازيغية الجديدة، لتعلن تحولا عميقا في مكانة الهوية الأمازيغية، التي تجاوزت أنها مطلب أو نقاش لتصبح معطى دستوريا تفعله الدولة عبر قرارات وسياسات ملموسة. أعاد هذا التحول الاعتبار لرموز مهمشة، ومنحها شرعية الظهور في الفضاء العام، برعاية رسمية وبروح شعبية أصيلة، فلم يعد الاحتفال برأس السنة الأمازيغية مجرد استعادة للماضي، بل فعل راهن يعيد ترتيب العلاقة بين الدولة والذاكرة، وبين الثقافة والهوية، وفي هذا الإطار، يطرح السؤال: ما مدى تقدم الحكومة في تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وتحويل الالتزام الدستوري إلى واقع ملموس؟ إنجاز: عبد الجليل شاهي (أكادير) لم يكن الإعلان الملكي القاضي بجعل 14 يناير عطلة رسمية مؤدى عنها مجرد إجراء إداري يضاف إلى روزنامة العطل الوطنية، بل شكل لحظة فاصلة في علاقة الدولة بالذاكرة الأمازيغية، وانتقالا هادئا من منطق الاعتراف الرمزي إلى منطق الإدماج المؤسساتي للهوية. قبل هذا القرار، ظل رأس السنة الأمازيغية حاضرا بقوة داخل البيوت، يحتفى به بطقوس عائلية بسيطة، وأطباق تقليدية، وذاكرة شفوية تنتقل بين الأجيال. احتفال دافئ، لكنه محدود في المجال الخاص، لا يخرج غالبا إلى الفضاء العام إلا عبر مبادرات جمعوية معزولة أو أنشطة ثقافية موسمية. بعد الإعلان الملكي، تغير المشهد تدريجيا، لم تعد المناسبة شأنا ثقافيا هامشيا، بل تحولت إلى حدث عمومي تشارك فيه الجماعات الترابية، والمؤسسات العمومية، والمدارس، والجامعات، والساحات الكبرى. خرج "إيض يناير" من الجدران الأربعة للبيوت إلى فضاءات المدينة، ليصبح موعدا جماعيا يعاد فيه طرح سؤال الهوية والانتماء بلغة هادئة وواثقة. الأثر الأبرز لهذا التحول لم يكن في كثافة الاحتفالات فقط، بل في تغير معناها، فالمناسبة لم تعد تقدم بوصفها فولكلورا أو موروثا تقليديا جامدا، بل كجزء من الذاكرة الوطنية المشتركة، ومن سردية مغرب متعدد الروافد، حيث الأمازيغية ليست ثقافة "الآخر"، بل أحد أعمدة الذات الجماعية. تفعيل اللغة أكد مصطفى بايتاس، الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان والناطق الرسمي باسم الحكومة، أن الحكومة المغربية تتوفر على إرادة سياسية قوية لتسريع تفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية، مشيرا إلى أن هذه القضية تعتبر ورشا استراتيجيا يحظى بدعم مباشر من التوجيهات الملكية، ولا سيما منذ خطاب أجدير، وبناء على تراكم المكاسب الإيجابية لهذه القضية ذات البعد الهوياتي العميق. كما أوضح بايتاس أن الحكومة عبأت كل الإمكانيات اللازمة لضمان تفعيل الأمازيغية وفق رؤية شاملة تكرس ما نص عليه الدستور المغربي، مشددا على أن ذلك يندرج ضمن جهود تحديث الإدارة وتعزيز الشفافية والخدمات العمومية. وأشار الوزير إلى أن من أولى المبادرات الحكومية في هذا الإطار، إحداث صندوق دعم استعمال الأمازيغية، المزود بإمكانات مالية مهمة لتمويل برامج متنوعة، تشمل تبني اللغة داخل القطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، كما تم إنشاء مديرية لتنمية استعمال الأمازيغية على مستوى الوزارة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، والتي شرعت في تنفيذ مجموعة من الإجراءات العملية لتعزيز حضور اللغة الأمازيغية في الخدمات العامة. وأكد بايتاس أن عددا مهما من الأعوان الناطقين بالأمازيغية أصبحوا يشتغلون في مختلف القطاعات المركزية واللاممركزة، ويقدمون خدمات الاستقبال والتوجيه باللغتين العربية والأمازيغية في قطاعات حيوية مثل الصحة والعدل والثقافة، إضافة إلى تفعيل خطوط هاتفية مخصصة لتقديم المعلومات والخدمات للمواطنين باللغة الدستورية. كما شهد مجال التعليم تقدمات ملموسة، حيث ارتفع عدد المناصب المخصصة لتدريس اللغة الأمازيغية من 200 منصب سنة 2020، إلى 400 ثم 600 منصب، ليصل إلى 1000 منصب خلال سنة 2026، ما يعكس الالتزام الحكومي بضمان تكوين كفاءات تعليمية مؤهلة قادرة على نقل المعرفة باللغتين. وأبرز بايتاس أن هذا التفعيل لا يقتصر على الإدارة والتعليم، بل يشمل مختلف المؤسسات والمجالات التي تتيح للغة الأمازيغية ممارسة دورها في حياة المواطن اليومية، مؤكدا أن الحكومة ستواصل هذا المسار وفق برنامج عملي مدروس يهدف إلى ترسيخ الهوية الثقافية الوطنية وتعزيز التواصل مع جميع الفئات الاجتماعية. صندوق دعم الأمازيغية كشفت أمل الفلاح السغروشني، وزيرة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، عن معالم تنزيل صندوق تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، الذي رصدت له ميزانية تناهز مليار درهم سنة 2025، مؤكدة أن الحكومة جعلت من تعزيز حضور الأمازيغية في الإدارات العمومية ومرافق الحياة العامة خيارا إستراتيجيا لا رجعة فيه. وشددت الوزيرة على أن الأمازيغية تعد رأسمالا غير مادي مشتركا بين جميع المغاربة، وهو ما دفع الحكومة إلى إدراجها ضمن الالتزامات العشرة الكبرى للبرنامج الحكومي 2021–2026، مع تخصيص غلاف مالي غير مسبوق يعكس الإرادة السياسية للانتقال من الاعتراف الرمزي إلى الإدماج الفعلي، وفي هذا الإطار، تم إنجاز مشروع كتابة اللغة الأمازيغية على واجهات ما يقارب 14 ألف وسيلة نقل عمومي، في خطوة تحمل دلالات قوية على مستوى الرؤية والتمثل البصري للغة الوطنية في الفضاء العام. ولتنزيل مقتضيات القانون التنظيمي رقم 26.16 المتعلق بتحديد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وكيفيات إدماجها في التعليم وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية، أوضحت السغروشني أنه جرى تحيين الإطار القانوني لصندوق تحديث الإدارة العمومية ودعم الانتقال الرقمي، عبر إدراج الأمازيغية ضمن مجالات تدخله، وهو ما أتاح هامشا أوسع من المرونة، سواء من حيث تنوع المستفيدين أو طبيعة المشاريع أو وتيرة إنجازها. وعلى مستوى المرافق والفضاءات العمومية، كشفت الوزيرة عن تعزيز خدمات الاستقبال والإرشاد والتوجيه باللغة الأمازيغية، من خلال تزويد عدد من القطاعات بـ487 عونا ناطقين بمختلف تنويعات الأمازيغية، تريفيت، وتشلحيت، وتمزيغت، مع توقيع اتفاقيات شراكة إضافية ستمكن من إدماج 1840 عونا آخرين، في أفق تعميم هذه الخدمات تدريجيا. كما تم إدماج الأمازيغية في خدمات الاستقبال الهاتفي بعدد من مراكز الاتصال التابعة لقطاعات وزارية ومؤسسات عمومية، عبر وضع 69 عونا ناطقا بالأمازيغية داخل 11 مركزا للاتصال، إلى جانب كتابة اللغة الأمازيغية في أزيد من 3000 لوحة وعلامة تشوير، مع الاشتغال حاليا على إنجاز 1000 لوحة إضافية، بما يعزز حضور اللغة في المشهد اليومي للمواطن. وفي الشق الرقمي، أعلنت السغروشني عن استكمال المرحلة الأولى من الدراسة المتعلقة بتقييم مستوى إدماج الأمازيغية في المواقع الإلكترونية الرسمية للإدارات العمومية، تمهيدا لإطلاق تجربة نموذجية لإدماج اللغة الأمازيغية في عشرة مواقع إلكترونية، كمرحلة أولى نحو تعميمها. ومن أبرز المشاريع المنجزة، تضيف الوزيرة، مشروع إدراج الأمازيغية على واجهات وسائل النقل العمومي، حيث تم حصر 13 ألفا و872 سيارة وناقلة. وقد قُدمت نماذج من وسائل النقل التابعة للمديرية العامة للأمن الوطني بحلتها البصرية الجديدة، المتضمنة للغة الأمازيغية، خلال فعاليات الأبواب المفتوحة لمناسبة الذكرى 69 لتأسيس المؤسسة، في خطوة وصفت بالرمزية والمعبرة عن الاعتزاز بالهوية اللغوية الوطنية. كما جرى التنسيق مع المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية لوضع تصور متكامل وخارطة طريق لتأهيل الموارد البشرية في مجال التواصل باللغة الأمازيغية، مع إطلاق تجربة نموذجية على مستوى 40 جماعة ترابية، بهدف تعزيز تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية على المستوى المحلي. موعد ثقافي وطني جامع لا يبدو الاحتفال برأس السنة الأمازيغية مجرد تجمع بشري أو عرض فولكلوري عابر، بل فسيفساء إنسانية تتجاور داخلها الأعمار والملابس واللهجات، إذ كشف إبراهيم فاضل، أحد مؤسسي جمعية "تايري ن وكال"، التي تترأسها الفنانة فاطمة تبعمرانت، أن الجمعية تعمل على ترسيخ "إيض ن يناير" موعدا ثقافيا وطنيا جامعا، يعكس غنى وتنوع الثقافة الأمازيغية، ويكرس مكانتها المستحقة داخل الذاكرة المغربية باعتبارها مكونا أصيلا من مكونات الهوية الوطنية. وأضاف أن الجمعية نجحت في إعادة الاحتفال برأس السنة الأمازيغية إلى فضائه الطبيعي، أي الساحات والفضاءات العمومية المفتوحة، بعدما ظل لسنوات طويلة محصورا داخل المنازل ومقرات الجمعيات الأمازيغية، قبل أن يختزل لاحقا داخل القاعات المغلقة، في صيغ وصفها فاضل بالنخبوية أو الاحتفالات المعزولة عن روحها الشعبية. وأوضح فاضل أن "إيض ن يناير" ليس مجرد موعد فني أو مناسبة احتفالية عابرة، بل طقس جماعي متجذر في الذاكرة الأمازيغية، يرتبط بالأرض وبقيم التضامن والتقاسم، وبالعلاقة الرمزية بين الإنسان ومحيطه الطبيعي، مؤكدا أن اختزاله في عروض مغلقة أو مبادرات تجارية يفرغه من عمقه الثقافي والإنساني. كما استحضر فاضل مجموعة من المبادرات الرمزية التي أطلقتها جمعية "تايري ن وكال"، والتي شكلت محطات فارقة في مسار الاحتفال برأس السنة الأمازيغية، وعلى رأسها فكرة إعداد أكبر طبق "اكلا"، الذي بلغ طوله ثلاثة أمتار وعمقه نحو 20 سنتيمترا، وسقي بنحو عشرة لترات من زيت الأركان، إلى جانب إطلاق الشهب الاصطناعية، خلال احتفالات رأس السنة الأمازيغية بتزنيت. واعتبر فاضل أن هذا الطبق لم يكن مجرد عرض فولكلوري، بل رمزا للهوية الغذائية الأمازيغية، ولثقافة الكرم والتآزر وتقاسم الخيرات التي تشكل أحد أعمدة المجتمع الأمازيغي عبر التاريخ، مشيرا إلى أن مبادرة تنظيم "أسبوع تاكلا"، الذي جاب خمسة أقاليم بجهة سوس ماسة، ساهمت في التعريف بالموروث الغذائي الأمازيغي وربطه بالذاكرة والهوية والتنمية الثقافية المحلية. وأكد فاضل أن الجمعية تعمل على تنظيم احتفالات رأس السنة الأمازيغية وإحياء ذكرى ترسيم اللغة الأمازيغية، كما تسهر على تأطير مختلف الأنشطة الفنية والثقافية والتنظيمية، بفضل جهود القلب النابض للجمعية، الفنانة فاطمة تبعمرانت، التي تتحمل مسؤولية تأمين الدعم المالي الضروري لإنجاح هذه التظاهرات، إلى جانب تشجيعها المستمر للأفكار الإبداعية التي تخدم الدفاع عن المكون الأمازيغي والنهوض به، ثقافيا ورمزيا. تحديات الممارسة اليومية أكد حسن أيت ناصر، الباحث في الأمازيغية، أن الهوية الأمازيغية لم تعد مجرد مطلب ثقافي أو سياسي، بل واقع دستوري يفرض على الدولة تفعيله عبر سياسات ملموسة، وأضاف أن التحدي الأساسي اليوم ليس إصدار النصوص الدستورية، بل الانتقال بها من الورق إلى الممارسة اليومية، في الإدارة والقضاء والتعليم والإعلام. وأشار أيت ناصر إلى أن هناك مجهودات حكومية لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، لكن التفعيل يتطلب كفاءات مؤهلة وموارد تقنية، وإلا سيظل مجرد شعار بلا أثر عملي، وتابع قائلا، "اللغة ليست مجرد أداة رسمية، بل وعاء للذاكرة والهوية، لذلك، يجب أن تبقى حية في الفضاء العام، محافظة على روحها الشعبية، دون أن تتحول إلى مجرد آلية إدارية". وبخصوص التعليم، شدد الباحث على أن "نجاح التفعيل مرتبط بقدرة الأجيال الجديدة على استخدام الأمازيغية بثقة، ليس فقط لغة دراسية، بل كلغة حياة يومية، ما يستلزم مناهج وأساليب تعليمية مبتكرة، إلى جانب تحفيز الطلاب على اعتماد اللغة بشكل طبيعي". وكشف أيت ناصر أن الطموح المغربي هو رؤية أمازيغية متكاملة في المؤسسات، والإعلام، والإدارة والتعليم، دون أن تفقد عمقها الشعبي وروحها الثقافية، وأن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل النصوص الدستورية إلى واقع عملي ملموس، يوازن بين الرسمية والدينامية الثقافية.