حياة بطقوس خاصة بعيدا عن العشوائية والفوضى والانضباط سر الإبداع بعيدا عن أضواء الشهرة وصخب الفن، يعيش الفنان يونس ميكري حياة متوازنة تجمع بين الانضباط اليومي والإبداع الفني. موسيقي وملحن وممثل، نجح في أن يحفر اسمه في ذاكرة الأغنية المغربية والسينما على حد سواء، محافظا في الوقت نفسه على طقوسه البسيطة التي تمنحه الصفاء والتركيز. من تحضير القهوة بطريقة خاصة، إلى السباحة في الصباح الباكر، والمشي مع كلبه "دومينو"، يستعيد ميكري يومه بروح الانضباط بعيدا عن الفوضى، ليدخل الاستوديو الخاص للتحضير لأشهر أغانيه، ويستمر في التألق على شاشة السينما رغم ابتعاده عن التلفزيون. بعيدا عن الأضواء وصخب الفن، يعيش الفنان يونس ميكري يوما هادئا ومنظما، تحكمه طقوس بسيطة تعكس شخصيته المتوازنة وعلاقته العميقة بالفن والحياة. في هذا الروتين اليومي، تتقاطع الرياضة مع الموسيقى، وتجاور الطبيعة لحظات الإبداع، في نهار يبدأ باكرا ولا يترك مجالا للصدفة. عادات يومية يستيقظ يونس ميكري في ساعات الصباح الأولى، ويحرص على أن يكون أول ما يستقبل به يومه كوب قهوة يمنحه لحظة صفاء قبل الانطلاق في جولة مشي قصيرة. بعد ذلك يعود إلى المنزل ليصطحب كلبه "دومينو" في نزهة صباحية تمتد حوالي عشرين دقيقة، في طقس يومي لا يتخلى عنه، قبل أن يعود مجددا إلى البيت ليستكمل برنامجه اليومي المنظم. لا يمر اليوم في حياة ميكري دون السباحة، حتى خلال فصل الشتاء، إذ تعتبر الرياضة جزءا أساسيا من توازنه الجسدي والذهني، وعلاقة لا يفكر أبدا في الانفصال عنها. وبعد هذا النشاط، يتناول وجبة فطور خفيفة، فهو لا يميل إلى الإفراط في الأكل ولا يحرص على تناول وجبة العشاء. وغالبا ما يختار صباحا أطباقا بسيطة مثل شوربة "البلبولة" أو ما يشبهها من الأطعمة الخفيفة. بعد الإفطار، يخصص وقتا للاشتغال في حديقة منزله، إذ يقوم بأعمال التشجير والعناية بالنباتات، مستمتعا بالهدوء والتواصل مع الطبيعة. وفي حدود الساعة العاشرة والنصف صباحا، يتوجه إلى الاستوديو الخاص، وهو المكان الذي يحتضن لحظات الإبداع والتأمل، ليعزف على آلاته الموسيقية، سواء البيانو أو القيثارة، ويواصل العمل على مشاريعه الفنية المختلفة. وعندما يبتعد قليلا عن الأوتار والمفاتيح، يمسك كتابا ويغوص في القراءة، إلى أن يحين موعد الغداء، الذي يلتزم بتناوله في توقيت دقيق، عند الساعة الثانية عشرة والنصف زوالا، ليختتم بذلك صباحا حافلا بالانضباط والهدوء، ويؤكد أن سر استمراريته يكمن في التوازن بين الجسد والفكر والإبداع. من طقوس يونس ميكري اليومية التي لا يتخلى عنها، تحضير القهوة بطريقته الخاصة، باستعمال "زيزوة" تشبه تلك التي يعتمدها الأتراك. طقس بسيط، لكنه يحمل الكثير من الدلالات. يقول ميكري بابتسامة "من يذق قهوتي يرغب دائما في تذوقها من جديد". فخلال فترات التصوير، يحرص ميكري على تحضير القهوة وتقديمها يوميا لأحد أفراد فريق العمل، بالتناوب بينهم، في جو من الألفة والمرح، مؤكدا أن هذا الطقس ورثه عن والده، رحمه الله، وما زال حريصا على ممارسته إلى اليوم. أرفض العشوائية بعد تناوله وجبة غداء خفيفة، يعود يونس ميكري إلى غرفته، حيث قد يقضي بعض الوقت في مشاهدة فيلم، قبل أن يحرص، عند حدود الساعة الثانية بعد الزوال، على أخذ قسط من النوم القصير. استراحة ضرورية يعيد بها شحن طاقته استعدادا لبرنامج المساء، الذي يخصصه للمشي والتنزه رفقة كلبه، إلى جانب ممارسة بعض التمارين الرياضية. ومع حلول الساعة السابعة مساء، يضع ميكري حدا لأنشطته اليومية، ليفسح المجال للحظات اجتماعية دافئة، يستقبل خلالها أصدقاءه أو يجلس رفقة أفراد أسرته لتبادل الحديث. طقوس يومية ظل وفيا لها ولم يفكر يوما في التخلي عنها. وحتى خلال مشاركاته في التظاهرات الفنية، يحرص على الحفاظ على هذا الإيقاع، مع بعض التغييرات البسيطة، فرغم سهره إلى وقت متأخر، يبقى الاستيقاظ المبكر جزءا ثابتا من يومه. هذا النظام ليس وليد اليوم، بل عادة رافقته منذ الصغر، في بيئة عائلية تشترك في حب الرياضة وعلاقة قوية بالبحر، إذ لا يتردد هو وإخوته في السباحة حتى في ساعات متأخرة من الليل. يونس ميكري يرفض العشوائية، وهو ما يفسر التزامه الصارم بالمواعيد، إذ يقول "أرفض أيضا أن أنتظر أحدا"، لكن دون توتر أو عصبية. أما داخل الاستوديو، فيشعر ميكري أنه في عالمه الخاص، وهناك تتركه عائلته ضمانا لراحته، واحتراما لمساحته الإبداعية، دون أن يفرض ذلك، باستثناء كلبه "دومينو" الذي لا يفارقه ويجلس بجانبه، كما يقول ضاحكا. هناك، يتمرن على صوته للحفاظ على جاهزيته الفنية، وقد يشرع في الغناء، في ذلك مكان تختزن جدرانه الكثير من الذكريات، ويشهد إنجاز مشاريع فنية متعددة. استوديو الذكريات العودة إلى روتين يوم يونس ميكري، تفرض التوقف عند لحظة دخوله إلى الاستوديو الخاص بمنزله والذي يعتبر فضاء مركزيا في مسيرته الفنية. هناك، بين الجدران التي تحتضن آلاته وذكرياته، كبرت أفكار كثيرة وتحولت إلى مشاريع فنية ناضجة، بعد ساعات طويلة من التحضير والعمل الهادئ، بعيدا عن الضجيج. داخل هذا الاستوديو، يستعيد ميكري محطات مفصلية من مساره، ومن بينها قصة ولادة أغنية "مرايا"، التي تعود إلى بداية سبعينات القرن الماضي. يحكي أنه خلال رحلة إلى الجزائر، حوالي 1970، كان رفقة أشقائه في زيارة للحاج الصايم، الذي كان يشغل في تلك الفترة، منصب مدير التلفزيون بوهران. وخلال ذلك اللقاء، قدم لهم الصايم الحاج كلمات أغنية "يا مرايا"، في لحظة لم يكن يدرك أحد حينها أنها ستكون بداية عمل مازال خالدا. كان يونس ميكري شابا في تلك الفترة، وحين شرع الصايم الحاج في قراءة الكلمات، لاقت إعجاب أشقائه محمود وحسن وجليلة. أما هو، فقد شدته الكلمات بقوة، لكنه اختار الصمت بدافع الخجل، مكتفيا بالإنصات دون أن يعبر عن انجذابه للنص. وبعد مغادرة المكان، وجد ميكري نفسه غير قادر على التخلي عن تلك الكلمات، فعاد بحجة أنه نسي نظارته، وطلب من الصايم نسخة من النص، ليوافق هذا الأخير دون تردد، فعاد إلى أشقائه وكأن شيئا لم يحدث، محتفظا بالكلمات في جيبه. وبعد يومين، وأثناء تنقلهم على متن القطار، حمل ميكري قيثارته وابتعد قليلا عن أشقائه، ليبدأ في تلحين "يا مرايا". ومن المحاولة الأولى، وجد اللحن طريقه إلى الكلمات بسلاسة، وكأن الأغنية كانت تنتظر تلك اللحظة لتولد. عاد بعدها إلى أشقائه وعزفها أمامهم، فانبهروا بها، دون أن يفهموا كيف تحولت الكلمات في وقت قياسي إلى أغنية جاهزة. يقول ميكري إن العودة إلى الاستوديو لم تكن حينها سوى لإضافة بعض اللمسات البسيطة، مؤكدا أن الأغنية ولدت فعليا داخل القطار، في لحظة إلهام خالصة، إذ أبصرت "يا مرايا" النور على متن القطار قبل أن تجد طريقها إلى ذاكرة الأغنية المغربية. بين السينما والتلفزيون برز اسم يونس ميكري في الساحة الفنية ليس فقط موسيقيا وملحنا مبدعا، بل أيضا ممثلا قادرا على تقديم أدوار متميزة تركت بصمتها لدى الجمهور. مشاركاته التمثيلية على الشاشة الصغيرة وفي السينما أكسبته خبرة واسعة وأكدت تعدد مواهبه. وعن ابتعاده عن الشاشة الصغيرة مقابل استمراره في الحضور السينمائي، يوضح ميكري أن ما يعرض حاليا على التلفزيون لا يستهويه ولا يجد نفسه منسجما معه، معتبرا أن الفنان لا يمكنه أن يكون صادقا أو مقنعا في أعمال لا يشعر بها من الداخل "لن أكون جيدا في أعمال لا أشعر بها"، في إشارة إلى أن اختياراته الفنية لا تحكمها كثرة الظهور، بل الانسجام مع الرؤية والروح التي يحملها العمل. ويضيف ميكري أنه خاض خلال سنوات سابقة تجارب عديدة في مجال الأفلام التلفزيونية، وقدم أعمالا متعددة تركت بصمتها لدى الجمهور، غير أن طبيعة الإنتاجات التي تعرض حاليا لم تعد تحفزه على العودة إلى هذا الفضاء، من أجل ذلك يفضل السينما التي يرى فيها مجالا أرحب للتعبير الفني، وأكثر انسجاما مع أسئلته ورؤيته الجمالية، سواء في ما يتعلق بالكتابة أو الإخراج أو العمق الفني. وفي حديثه عن تغير الذوق المغربي خلال السنوات الأخيرة، يرى ميكري أن المشاهد أصبح في كثير من الأحيان أمام اختيارات مفروضة عليه، إذ لم يعد يتابع التلفزيون بالعلاقة نفسها التي كانت تربطه به في السابق. ويستحضر في هذا السياق مرحلة كان فيها الجمهور المغربي يتابع ما يعرض عليه ويتفاعل معه، دون هذا الزخم الكبير من الإنتاجات المتشابهة. ومع ذلك، يحرص ميكري على توضيح موقفه، مؤكدا أن هذا التغير لا يعني بالضرورة أن ما يقدم اليوم دون المستوى أو ضعيف الجودة، لأن الأذواق تبقى مسألة نسبية ولا يمكن الحكم عليها بمعايير واحدة، مشيرا إلى أن هناك فئة واسعة من الجمهور تجد في هذه الأعمال ما يعجبها وتتفاعل معها، وهو أمر يحترمه، حتى وإن لم يجد نفسه ضمن هذا التوجه الفني. الحكم للزمن يعد يونس ميكري واحدا من أشهر الموسيقيين المغاربة، غير أن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو إلى أي حد تستهويه موسيقى شباب اليوم؟ في هذا السياق، يوضح ميكري أنه حين ولج الساحة الفنية قبل أكثر من خمسين سنة، جاء رفقة أشقائه بموسيقى جديدة وغير مألوفة بالنسبة إلى الجمهور المغربي آنذاك. ويستحضر أن كثيرين اعتبروا ما كانوا يقدمونه مجرد "تخربيق"، وهو أمر يراه طبيعيا، بحكم أن المرحلة كانت تحكمها موسيقى محمد عبد الوهاب وأسمهان وأسماء أخرى من عمالقة الطرب. يرى ميكري أن ما يحدث اليوم مع موسيقى الشباب لا يختلف كثيرا عما عاشه جيله، مؤكدا أن الحكم الحقيقي يبقى دائما للزمن "الأيام وحدها كفيلة بتحديد ما إذا كانت هذه الموسيقى قادرة على الاستمرار لسنوات أخرى، وأن تجد طريقها إلى الأجيال المقبلة". وأضاف أن فئة واسعة من الجيل الحالي ما زالت تستمع إلى أعمال محمد عبد الوهاب، وجيل جيلالة، وأغاني ميكري، رغم مرور عقود طويلة على صدورها، وهو ما يؤكد، في نظره، أن الموسيقى الخالدة وحدها التي تصمد أمام امتحان الزمن.