رائد الزجل والمسرح الذي أضفى عليهما روحا مغربية يعد الراحل الطيب العلج اسما فنيا متميزا تعددت وتشعبت المسارات الإبداعية التي أنتج فيها، وتوزعت بين التأليف المسرحي وضعا واقتباسا وكذا تمثيلا إلى جانب عدد من الرواد الذين وضعوا القواعد الأساسية لفن التمثيل المسرحي المغربي أمثال الراحل عبد الصمد الكنفاوي والطيب الصديقي وغيرهما، فضلا عن إسهامه في إثراء خزانة الأغنية المغربية بعشرات النصوص الغنائية التي كانت وراء صنع مجد العديد من المطربين والمطربات. في هذا الخاص تستعرض "الصباح" جانبا من مسار هذا الفنان المتعدد. إنجاز: عزيز المجدوب يشكل مسار الفنان المسرحي والزجال أحمد الطيب لعلج (1928 ـ 2012)، وجها من وجوه ترسيخ الطابع المغربي في نصوص الأغنية العصرية. بدأت علاقة الطيب لعلج بالزجل حسب ما يحكي ( حوار منشور ضمن كتاب "أحمد الطيب العلج" ضمن سلسلة "نغم" للطرب المغربي) قائلا "بدأت هذه العلاقة من بيتنا كمتلق، فقد كان والدي، يحيي حفلات الذكر مع أشياخ الملحون وطرب الآلة والموسيقى الأندلسية، (...) وأعجبت بالشعر الشعبي الملحون وأنا صغير جدا، وتعلمت على يد أناس فطاحل، في مقدمتهم سيدي عبد القادر العلمي الملقب ب"قدور العلمي" والسي التهامي المدغري، ومحمد بنسليمان والجيلالي متيرد والسي محمد بن علي المسفيوي والحاج إدريس بن علي والحاج إدريس بن علي الحنش والكندوز والمغاري، ومن المعاصرين، خصوصا في الوجدانيات: الغالي الدمناتي والعيساوي المدغري الفلوس». ويضيف العلج "بدأت أعشق الملحون، الكلام الأبيض، وهذا اصطلاح عند شعراء العامية، يعرفون به القصيدة التي لا تحتاج لكثير من التفكير لفهمها واستيعابها، فهي سهلة بسيطة واضحة تفهم لدى السماع الأول مرة، ولا يحتاج المستمع إليها لعملية الاجترار والمراجعة لسبر أغوار المعاني". كانت بداية أحمد الطيب العلج مع كتابة الأزجال الغنائية منذ منتصف الخمسينات وتحديدا خلال السنوات الأولى للاستقلال، وهي الفترة التي شهدت محاولات من قبل العديد من رواد الأغنية المغربية تقديم أعمال غنائية، تعكس الروح المغربية من حيث الكلمات والألحان والإيقاعات وأساليب الأداء. ترسيخ طابع مغربي ضمن هذا السياق يحكي الفنان محمد المزكلدي أنه بعد مضي أزيد من سنة على مقامه بالقاهرة، بدأ يستأنس بالأجواء هناك، خاصة بعد تمكنه من ولوج الإذاعة، والاحتكاك عن قرب مع مجموعة من الإعلاميين الذين عبدوا له الطريق، لاعتماده صوتا غنائيا، مثل فاروق شوشة ووجدي الحكيم وغيرهما. في تلك الفترة أيضا كان المزكلدي والسقاط يلتقيان بمجموعة من الأسماء الفنية الرائدة في مجال الموسيقى والتلحين، مثل زكريا أحمد ورياض السنباطي ومحمد القصبجي، وكانا يعرضان عليهم محاولاتهم الغنائية الأولى التي كان يلحنها السقاط ويؤديها المزكلدي بصوته. كان الرد من قبل هؤلاء الملحنين المصريين هو "أين هي الأغنية المغربية في كل ما تقدمونه؟" إذ كانت تلك المحاولات تقليدا للأغاني الشرقية ونسجا على منوالها في كل شيء. باءت كل محاولات المزكلدي والسقاط في أن تقبل أغانيهما في الإذاعة المصرية بالفشل، خاصة في ظل إصرار السقاط على التلحين بالطريقة الشرقية، إلى أن قررا اللقاء بالموسيقار محمد عبد الوهاب. وكان رد موسيقار الأجيال نفسه، بعد أن أنصت لما قدماه أمامه من أغان وأغلبها كانت للفنان المغربي أحمد البيضاوي، وهي عبارة عن قصائد بالعربية الفصحى ملحنة وفق الأسلوب المشرقي وقوالبه الموسيقية، أي أين هي الأغنية المغربية وأنغامها وكلماتها وسط كل هذا. ترك كلام الموسيقار محمد عبد الوهاب وملاحظاته بخصوص ما قدمه السقاط والمزكلدي في حضرته من أغان، أثره في نفسيتهما، خاصة المزكلدي الذي اقتنع بضرورة البحث عن صيغة لتقديم أغنية مغربية متخلصة من التقليد المشرقي. تنفيذ هذه الفكرة لم يتسن لها التحقيق بسهولة، سيما أن صديقه الملحن عبد الرحيم السقاط، ظل مع ذلك مترددا في تقديم لحن مغربي خالص، قبل أن يحسم تردده ويعود أدراجه إلى المغرب مباشرة بعد الاستقلال. كانت الخطوة الأولى التي فكر المزكلدي في مباشرتها، هي محاولة تنفيذ النصائح التي وجهها له كبار الملحنين المصريين الذين قابلهم وعرض عليهم محاولاته الغنائية، منهم السنباطي والقصبجي وزكريا أحمد، الذين أشاروا عليه بضرورة تقديم أغان مغربية تعكس هويته واختلافه عن ما يقدم بالشرق. لكن من أين له بكلمات مغربية ولم يكن في مصر آنذاك كتاب كلمات مغاربة، فراسل الزجال والمسرحي أحمد الطيب العلج بالمغرب طالبا منه إمداده بزجل غنائي، فكان الجواب أن بعث له بكلمات أغنية "مالك قل لي مالك" التي انكب المزكلدي على تلحينها، موظفا في ذلك مواهبه وما اكتسبه من خبرات ودروس نظرية وتطبيقية في مجال الموسيقى والتلحين، خلال السنوات الأولى لمقامه بمصر. وهكذا انتهى المزكلدي من تلحين أولى أغنياته في الشرق، بل هي أول أغنية أيضا في مساره الفني الذي بدأه بأداء أغاني غيره، قبل أن ينصرف لغناء إنتاجه الفني الخاص. تعكس هذه القصة التي رواها الفنان محمد المزكلدي ضمن مذكراته، طبيعة الانشغالات التي كانت تستأثر باهتمام بعض رواد الأغنية المغربية آنذاك، وهي البحث عن شكل مستقل للأغنية عن الهيمنة المشرقية، وهو الأمر الذي كان الزجال أحمد الطيب لعلج سباقا إلى تنفيذه خلال سنوات مبكرة من الاستقلال، عبر مجموعة من الأغاني التي كتبها آنذاك لبعض الأسماء الغنائية، مثل محمد المزكلدي وعبد الرحيم السقاط والمعطي بنقاسم ومحمد فويتح وغيرهم. غزارة وتنوع إبداعي بهذا المعنى يمكن اعتبار الزجال أحمد الطيب العلج واحدا من أوائل الأسماء الشعرية التي مدت مطربي الأغنية المغربية العصرية بالنصوص الزجلية الأولى التي تجاوزت الشكل التقليدي للقصائد الفصيحة التي كانت تقدم بها الأغاني، وكذلك الشكل التراثي المنحدر من قصائد الملحون وأشعار الآلة الأندلسية، وغيرها من الأشكال التراثية. كما يعد أحمد الطيب العلج واحدا من أغزر الأسماء الشعرية إنتاجا، إذ يقارب عدد النصوص التي قدمها للأغنية المغربية 163 نصا غنائيا، مختلفة الحجم والقيمة والشكل. ومن بين الأسماء التي تعاملت مع نصوص أحمد الطيب العلج هناك عبد الرحيم السقاط وعبد القادر الراشدي وعبد الوهاب الدكالي وعبد النبي الجيراري وعبد العاطي أمنا وعبد السلام عامر ومحمد بلخياط ومحمد بنعبد السلام وعز الدين منتصر والعابد زويتن وعبد الرفيق الشنقيطي وحسن القدميري وأحمد سليمان شوقي والعربي الكوكبي وجمال الأمجد وأحمد كورتي وأحمد العلوي ومحمد البوعناني ونعمان لحلو. أما الأصوات التي تغنت بكلمات العلج فهناك محمد المزكلدي وأحمد العمري وأحمد الغرباوي وإسماعيل أحمد ومحمد فويتح والمعطي بنقاسم وبهيجة إدريس ومحمود الإدريسي وحميد شكري والبشير عبده ولطيفة رأفت ونعيمة سميح وأمينة إدريس ومحمد الحياني وعبد الواحد التطواني وعبد الهادي بلخياط وسمية قيصر وسمية عبد العزيز وعبد المنعم الجامعي ومحمد الغاوي ومحمد العربي عوامي وفتح الله المغاري وعزيزة ملاك وعفيفة جحفل وغيثة بنعبد السلام وفاطمة أكيد ونادية أيوب ونزهة الشعباوي وسميرة بنسعيد. مسار عصامي تعددت مواهب الفنان أحمد الطيب العلج بين التأليف ونظم الزجل والتمثيل، إذ كتب أكثر من عشرين مسلسلا إذاعيا، واستلهم عن موليير أغلب أعماله المسرحية مثل ”ولي الله”و “الحاج العظمة” و”مريض خاطرو”… كما كتب 55 مسرحية، منها "جحا وشجرة التفاح" التي نشرتها "وكالة شراع" قبل أن تُترجَم إلى اللغة الفرنسية، وتعرضها إحدى الفرق الفرنسية بأحد مسارح باريس. اشتغل العلج موظفا بوزارة الأنباء، كما عمل رئيسا لمصلحة الفنون الشعبية بمسرح محمد الخامس، لما أيقن أن المسرح إقامته النهائية، قبل أكثر من نصف قرن، انخرط في الكتابة المسرحية، حيث حصل على جائزة التأليف المسرحي سنة 1956، وقبلها بسنتين حصل على الجائزة الأولى في التأليف الإذاعي عن مسرحية "المعلم رزوق"1954، ثم على جائزة الدولة في الآداب عن مسرحية "حبيب الضيوف" سنة 1968. بعد أن تلقى تدريبا بمسرح الأمم بباريس سنة 1960، اكتشف مسرح "موليير" الذي استهوته هزلياته، فاقتبس منها العديد من المسرحيات الناجحة، كما اكتشف روائع المسرح العالمي الذي تشربه، واستطاع أن يمزجه بلغته البديعة ليخلق الإدهاش والمتعة. وفي سنة 1975، حصل على وسام الاستحقاق السوري، وهو ثاني فنان عربي يحصل على ذلك الوسام بعد الموسيقار محمد عبد الوهاب. ورغم أنه ليس ابن جامعة إلا أنه كافح بشكل عصامي، ليستوعب نظريات "سوفوكليس" أو "ستانسلافسكي"، فقد استطاع الطيب العلج أن ينتزع ورقة الانضمام إلى اتحاد كتاب المغرب سنة 1986.