بدأ عسكريا موجها للمعمرين وانتهى مدنيا بحس إنساني للأهالي صدر حديثا للباحث والصحافي لحسن العسبي كتاب جديد بعنوان "غنيمة حرب.. الطب الحديث بالمغرب 1888 ـ 1940" عن المركز الثقافي للكتاب، يتتبع فيه خيوط وملابسات ميلاد الطب الحديث بالتزامن مع فترة الاستعمار الفرنسي أو الإسباني. في هذا الخاص تأخذكم "الصباح" في جولة عبر هذا الكتاب من خلال الفصول التي تتحدث عن ميلاد الطب الحديث بالدار البيضاء. إعداد: عزيز المجدوب ظل الرهان على الدار البيضاء، من قبل إدارة الحماية الفرنسية، وعلى رأسها الماريشال ليوطي، باعتبارها رئة الاقتصاد وفضاء لتجريب كل أشكال الحداثة المدينية، لذا فقد كان كل شيء جديدا في هذه المدينة، بدءا بالميناء والسكة الحديدية والمعرض الدولي والمستشفى العسكري، والمستشفى الأهلي وغرفة التجارة والصناعة وغيرها. وكان طبيعيا في هذا السياق أن تكون أول مؤسسة طبية أنشئت بالمغرب هي المستشفى العسكري الفرنسي بالدار البيضاء سنة 1911، كما جاء بناء أول مستشفى مدني للمواطنين المغاربة (مسلمون ويهود) أنشئ كمؤسسة فرعية بمنطقة "السور الجديد" بالمدينة القديمة سنة 1913. يقول لحسن العسبي عن هذا المستشفى إنه بني داخل باحة ذات أسوار عالية، كانت مخصصة، على عهد السلطان محمد بن عبد الله، لنزول "محلة السلاطين" (الوفد السلطاني أو الركاب السلطاني) حين عبورهم من المدينة في طريقهم من مراكش إلى فاس، ومن جنوب المغرب إلى شماله. في تلك البقعة الأرضية ولدت أول تجربة طبية استشفائية حديثة بالمغرب ضمن مخطط استعماري لاحتلال المغرب، وولدت مؤسسة طبية عسكرية فرنسية. ونقل العسبي عن وثيقة للطبيب العسكري الجنرال ألبير إرنست سبيك تفاصيل عن هذه البناية التي كانت عبارة عن براريك متراصة مزدوجة الحيطان، مبنية بشكل متين، (...) لكنها بدون كهرباء، ولا وسائل تدفئة أو تهوية، ما جعل وسائل التعقيم بها بدائية، وكانت وسائل الإنارة تتمثل في مصابيح تعمل ببخار الكحول، كانت بالكاد تسمح بإضاءة غرفة العمليات الجراحية لإجراء عمليات مستعجلة بالليل. كان هذا المستشفى هو الوحيد الذي يعتمد في كل التدخلات الطبية الاستعجالية العسكرية، بالنسبة إلى الاحتلال الفرنسي، ما فرض عليهم عدم فسح المجال لمعالجة المدنيين، عدا الأوربيين المقيمين بالمدينة القديمة. وسيضاف إليه جناح صغير عبارة عن بناية خشبية تضم 8 أسرّة متواضعة، مخصصة للولادات الأوربية فقط، وكانت تستعمل 8 صناديق ورقية مقواة، جهزت بأثواب بيضاء نظيفة وقطنية، لوضع المواليد الجدد بداخلها، اتقاء للبرد القارس خاصة في فصلي الشتاء والربيع. وفي صيف 1913 تم إنشاء أول مستشفى مدني بالدار البيضاء، ملحق بالمستشفى العسكري، وبالبناء الخشبي ذاته، أطلق عليه اسم "المركز الصحي للأهالي المغاربة المسلمين واليهود". هبة ابن دحان ابتداء من 1916 تقرر بناء مستشفى حديث بمواصفات طبية حديثة ومحترمة، مخصص للمواطنين المغاربة من المسلمين واليهود بالدار البيضاء، فتح أبوابه مطلع 1917، بحي "تي إس إف" القريب من الموقع الحالي لبناية المعرض الدولي. وتقدم المغربي حاييم بن دحان وهو يهودي الديانة، قبل ذلك في 1916، بمقترح إلى خليفة السلطان مولاي يوسف بالبيضاء، وإلى ممثل المقيم العام الفرنسي، بتحبيس قطعة أرضية في ملكية عائلته لبناء مصلحة طبية فوقها، وتمت الاستجابة إلى طلبه حيث افتتح المستشفى الحديث في 1917 بطاقة سريرية تصل إلى 138 سريرا، وعين لإدارته الدكتور مورا. كما سيتم بالتوازي، سنة بعد ذلك، أي في 1918 بناء ملحقة صغيرة تابعة إلى ذلك المستشفى بالحي الجديد "العنق" مخصصة فقط لتعقيم كل المرضى قبل توجههم إلى بناية مستشفى حي "تي إس إف". وكان المستشفى المدني يضم بالتوازي جناحين كبيرين، واحد للمرضى المسلمين والآخر للمرضى المغاربة اليهود. وسبب عدم الاختلاط بينهم، راجع إلى أسباب دينية مرتبطة بالشروط الخاصة للأكل عند المغاربة اليهود (خاصة استهلاك لحم الكاشير). أما على مستوى الخدمات الطبية التقنية، فهي مشتركة وواحدة بالنسبة إلى الجميع. وتوزعت خدمات المستشفى بين أقسام الأمراض الجلدية والجنسية، وقسم أمراض الأنف والأذن والحنجرة، وقسم الأمراض الباطنية وقسم أمراض العيون وقسم أمراض الأسنان. ومن المؤسسات الطبية المهمة التي أحدثت في 1915 مؤسسة رعاية وحماية الطفولة بالمغرب، التي تكفلت بالأطفال اللقطاء واليتامى والمتخلى عنهم، أو من العائلات الفقيرة جدا، ما مكن من حمايتهم من مواجهة الموت والأمراض وسوء التغذية. وتم إنشاء بناية أولى بالمدينة القديمة، قريبا من المستشفى العسكري بالسور الجديد، ضمت 60 طفلا وطفلة، ليصل العدد إلى 417 طفلا وطفلة في 1934 كانوا جميعا يتلقون الرعاية الطبية والإنسانية من لحظة ولادتهم حتى بلوغهم سن الخامسة، حيث يلتحقون بدور "الرعاية الخيرية" التابعة للمصالح البلدية، ولقد مكنت تلك التجربة الطبية من رسم خريطة للأمراض التي تصيب الطفولة المغربية تبعا للوسط والمناخ، وشكلت أرضية معرفية خصبة لسن سياسة طبية خاصة بالطفولة منذ 1915. الانعطافة الكبرى ابتداء من 1928 ستشهد الدار البيضاء طبيا انعطافة كبرى غير مسبوقة في كامل التراب الوطني، بميلاد أول مركب طبي ضخم، بالمواصفات نفسها المتحققة في كبريات العواصم الغربية مثل لندن وباريس وبرلين وموسكو وروما، وكان بمثابة مشروع طموح للمقيم العام الماريشال ليوطي، الذي كان يشرف أسبوعيا على تتبع تقدم الأشغال في إنجازه، في رحلة بالسيارة من العاصمة الرباط، وإن لم يكتب له أن يحضر تدشينه، بسبب إنهاء مهامه مقيما عاما في 1926. وشكلت سنوات 1928 إلى 1931 نقطة انعطافة غير مسبوقة في تطور خدمة الطب الحديث بالمغرب، من خلال إنشاء ثلاث مؤسسات طبية بالدار البيضاء بالمرتفع الصغير لمرس السلطان، دفعة واحدة، تشكل اليوم مجموع بنايات المركب الاستشفائي الجامعي الضخم "ابن رشد". كان القرار التدبيري هو تحرير الضغط عن المؤسسات الطبية التي ولدت بداخل أو بمحيط المدينة القديمة، سواء في شقها العسكري أو المدني، واحد منها عسكري (مستشفى جونفيال أي 20 غشت حاليا) والآخران مدنيان (مستشفى كولومباني ومستشفى موريس كو) ابتداء من 1925، حيث سيفتتح مستشفى كولومباني في 1928 وبعده بفترة قليلة مستشفى موريس كو، فيما افتتح المستشفى العسكري في 1931. فلسفة طبية علاجية تم تشييد مستشفى "كولومباني" (ابن رشد حاليا) سنة 1928، الذي كانت بمثابة مركب طبي ضخم غير مسبوق في تاريخ المملكة، ترتكز فلسفة هندسته المعمارية على إنشاء مؤسسة طبية ممتدة جغرافيا وليس مركبا طبيا بطوابق متراكبة. واعتمد العسبي وثيقة تعود لأندري لوروي المدير العام لمستشفى كولومباني يفسر فلسفة تلك المباني جاء فيها إن "الخصوصية المميزة لبنايات المستشفى كامنة في أنها تمنح تهوية مثالية وأيضا سهولة في التنظيف والوقاية (...) لقد انتقد البعض تباعد البنايات الطبية داخله، لكن علينا تذكيرهم بإيجابيات ذلك، المتمثلة في عدم السقوط في عائق الأعطاب التي تسجل عادة في مصاعد المستشفيات العالية، بكلفتها الكبيرة ماليا، بينما التنقل بوسائل نقل داخلية اليوم بالمستشفى أقل كلفة بكثير. كما منحنا ذلك تحكما أكبر في كل الوسائل التقنية الخاصة بكل مصلحة على حدة. بينما منح الأمر للمرضى فرصة للتحرك في فضاء ضاج بالخضرة، يجعلهم يستشعرون أنهم فعليا في مؤسسة طبية للعلاج والنقاهة، وليس مجرد مرضى مسجونين في غرف طبية ذات طوابق عالية". ويعتبر المستشفى العسكري الجديد بالدار البيضاء، حسابيا، الأكبر من حيث مساحته (20 هكتارا) يليه مستشفى كولومباني (17 هكتارا)، وأخيرا مستشفى موريس كو المدني الخاص بالمرضى المغاربة (3 هكتارات)، رغم أن هذا المركب الطبي الضخم ظل يحمل اسم "مستشفى موريزغو" لدى عموم المغاربة فيما تم حجب المؤسستين الطبيتين الأخريين رغم أنهما الأكبر. الحضور المسيحي يتصدى للوبي العقار كما كان للمؤسسة الطبية الدينية المسيحية حضور في المركب الطبي الضخم، ليس فقط من خلال حضور "الممرضات الراهبات" من التيار الفرنسيسكاني حتى بداية الثمانينات، بل بملكية الأرض التي بني فوقها المركب الطبي وهي اليوم في ملكية الفاتيكان، محبسة بقرار بابوي من روما، لتكون مجالا للخدمة الطبية فقط، وممنوع نهائيا استغلالها لأغراض تجارية. وحاول لوبي العقار بالدار البيضاء، نهاية الثمانينات، وضع اليد على تلك المساحة الأرضية الشاسعة بقلب المدينة، والدفع في اتجاه إنشاء مركب طبي بضاحية المدينة قرب غابة بوسكورة، وهي المحاولة التي بدأت تجد طريقها إلى حيز التنفيذ لولا تدخل سريع من بابا الفاتيكان الراحل يوحنا بولس الثاني، الذي راسل الملك الراحل الحسن الثاني، مقدما الوثائق القانونية المؤكدة لملكية الفاتيكان لتلك القطعة الأرضية الشاسعة وقرار تحبيسها فقط للخدمات الصحية والإنسانية، فأصدر العاهل المغربي الراحل أمره بوضع نقطة النهاية لمشروع اللوبي العقاري ذاك.