ثقافة "الهمزة" عبد الواحد كنفاوي تكتظ المحلات التجارية والمراكز الكبرى، وتصطف الطوابير أمام واجهات المحلات التي تزدان واجهاتها بعبارات "تخفيضات" "بلاك فرايدي" وغيرها من المصطلحات. ويتحول المشهد الاستهلاكي، في كل موسم تخفيض، إلى ما يشبه الاندفاع الجماعي نحو الاقتناء، وكأن القواعد الاقتصادية قد علقت مؤقتا. إن هذا الإقبال الملحوظ، الذي نلاحظه بانتظام، خلال مواسم التخفيضات، يطرح مفارقة اجتماعية واقتصادية عميقة، تتجلى في هذا الاندفاع نحو الشراء بالموازاة مع الشكاوي الواسعة من ضعف القدرة الشرائية، وارتفاع معدلات التضخم، وصعوبة تدبير ميزانية الأسرة. الجواب يكمن في ثقافة "الهمزة" المترسخة في الوجدان المغربي، إذ حتى في غياب الإمكانيات المالية، فإن شرائح واسعة تعتبر هذه المناسبات فرصة لا يجب تفويتها. في ظل التحديات المالية التي تواجهها الأسر، يصبح قرار الشراء، خاصة للكماليات أو السلع غير الأساسية، محاطا بالإحساس بالذنب أو التردد، فيوظف مفهوم "الهمزة" مبررا لـ "شرعنة" عملية الاقتناء. وهكذا تزيل التخفيضات الحاجز النفسي أمام الاستهلاك، فبدلا من الشعور بالتبذير، يشعر المستهلك بأنه يحقق معاملة تجارية مربحة أو صفقة ذكية، مادامت تمكنه من الحصول على بضاعة بأقل سعر ممكن. ويرى المستهلك في التخفيضات، في ظل تآكل القدرة الشرائية، وسيلة لتعويض ما خسره من قيمة ماله طيلة العام، فيلجأ إلى شراء كميات أكبر من السلع الضرورية أو المؤجلة، ما يصطلح عليه بالشراء التوقعي، تحسبا لارتفاع الأسعار في المستقبل القريب. وتتجاوز الهمزة العامل الاقتصادي لتلامس البعد الاجتماعي، إذ أن اعتبار عملية الاقتناء "همزة"، يصبح مؤشرا على الذكاء الاقتصادي والقدرة على المساومة، ما قد يعتبره بعض الأشخاص وسيلة لتعزيز مكانتهم الاجتماعية. لكن هذا الإقبال على المحلات التي تعلن عن التخفيضات، رغم المكاسب التي يمكن أن تحققها، فإنه يسلط الضوء على نقاط ضعف في البنية الاستهلاكية للأسر، إذ غالبا ما تؤدي ثقافة الهمزة إلى الشراء الاندفاعي، باقتناء سلع غير ضرورية، بل فقط لأن سعرها مغر، ما قد يربك ميزانية الأسرة ويحول إمكانية التوفير إلى هدر للمال. كما يشجع هذا السلوك الاستهلاكي الموسمي على تحويل المدخرات الضئيلة إلى استهلاك فوري، بدلا من توجيهها نحو استثمارات أو ادخار طويل الأمد. ويغفل المستهلك أحيانا عن جودة المنتوج الحقيقية في سباق الحصول على السعر الأرخص، ما قد يولد تكاليف صيانة أو استبدال لاحقا. وأخيرا، فإن الإقبال الكثيف على التخفيضات هو في الحقيقة صيحة استغاثة تعبر عن ضعف مزمن في القدرة الشرائية، إذ أن هذه الحشود لا تشتري لأنها ميسورة الحال، بل لأنها تؤجل رغباتها وضرورياتها طيلة العام، في انتظار هذه الفرصة الوحيدة للحصول عليها بسعر يمكن تحمله. ويتعين على الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين قراءة هذه الظاهرة، ليس باعتبارها دليلا على ثراء مخفي، بل مرآة للواقع تتطلب سياسات اقتصادية تضمن للمواطن الحصول على السلع بأسعار معقولة ومستقرة على مدار العام، بدلا من إجباره على رهن احتياجاته لمواسم "الهمزة".